شرح
الشرع الشريف مثل ما يفعله بعضهم من أنّه يرى الناس الزهد في الدنيا حتى أنّه يجلس مكشوف العورة ، ومنهم من يدخل النار ولا يحترق على زعمه بمرأى من الناس ، وعلى فرض أنّ ذلك صحيح فهو بدعة ومنكر إذ من شرط المعجزة إظهارها والتحدي بها ، ومن شرط الكرامة عكس ذلك . نعم قد يقع إظهار الكرامة لبعض الأكابر لضرورة شرعية دعت لذلك على أنّ هناك أدوية إذا استعملت لا يحترق الشخص معها ، فهي من قبيل السيمياء والنارنجيات كمن يظهر الكرامة بمسك الثعابين وأكلها حية ، وذلك محرم وفيه ما فيه من التمويه على الأمة ، ومن ذلك ما اشتهر من أمر الدوسة ، والمرور على ظهور الخلق وهم نائمون على وجوههم بالخيل ، فهو محرم باتفاق للخطر والبدعة ، ووضع الوجه الذي هو أشرف الأعضاء على الأرض لغير أمر اللّه سبحانه وتعالى ، فيجب على ولاة الأمور إبطال ذلك وتعزير فاعله ، ومنهم من استن سنة سيئة وهي حلق اللحى لغير ضرورة شرعية ، ومنهم من يفعل عكس ذلك فلا يأخذون شيئا من شعور أبدانهم ، وذلك قبيح شنيع لأنّه يشبه فعل الرهبان ، وفيه مثلة واستقذار ، وقد نهينا عن ذلك كله ، ومنهم من يلبس الليف والأشياء التي لا تستر عند الركوع والسجود مثل الشعر ، وهو أيضا من المثلة والبدعة وكشف العورة ، وكله من المحرم ، وأقبح من ذلك لبس الحديد فيتخذ سوارا في يديه ، وطوقا من حديد كالغل بل هو نفسه ويعلقون في آذانهم حلقا من حديد ، ولا خفاء في تحريم هذا كله وبدعته وشناعته وقبحه ، وأنّه لا مدخل له في الشرع الشريف ، وقد ورد أنّ الحديد حلية أهل النار ، وقد ورد « من تشبه بقوم فهو منهم » « 1 » فيقعون في هذا الخطر العظيم بسبب الجهل والجهل بالجهل ، وأشد من هذا كله أنّ أكثرهم يدعي أنّه على الحق ، وأنّ طريقته هي المثلى ، ومنهم من تنزه عن ذلك غير أنّه وقع في أشياء رذلة كاتخاذه العلم على رأسه مع أنّه لا يخلو حاله من كونه وليا للّه أو لا ، فإن كان وليا فهو لو قدر على أن يدفن نفسه أو يكون أرضا يمشي عليه لفعل ، فكيف ينشر العلم على رأسه ، وهو من باب الشهرة والدعوى ، وأهل الإيمان برآء من ذلك ، ألا ترى إلى قول عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه لتميم الداري رضي اللّه عنه لما سأله أن يعظ الناس فقال له : أنت تريد أن تقول : أنا تميم الداري فاعرفوني ، فكل من أراد الظهور فليس من أهل الطريق في شيء بل هو على عكس حالهم مع ما ينضم إلى الأعلام من المفاسد التي تقع من اجتماع الرجال والنساء والشبان إذا أشرفوا على بلد من البلاد ، ورفعوا أصواتهم بالذكر بقصد الإعلام بورود الشيخ والفقراء الذين معه حتى تخرج أهل البلد إلى تلقيهم ، وفي ذلك من مخالفة الشرع ما لا يخفى خصوصا ، وقد يضر نزوله بأهل البلد مع من معه من الفقراء
هامش
( 1 ) أخرجه أبو داود ( لباس 4 ) وأحمد بن حنبل ( 2 ، 50 ) .