تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نتائج الأفكار القدسية في بيان معاني شرح الرسالة القشيرية — صفحة 193

مساهمون:

ص١٩٣
من أي شيء يكون بكاء المحب إذا لقي المحبوب فقال : إنما يكون ذلك سرورا به ووجدا من شدة الشوق إليه ) فالبكاء يكون عند الفرح والسرور كما يكون عند الألم والمصائب ، ( ولقد بلغني أنّ أخوين تعانقا فقال أحدهما : وا شوقاه وقال الآخر : وا وجداه ) صرح كل منهما بما وجده من السرور بأخيه ، فانطفأ باللقاء ما كان يجده الأول من الشوق ، وزال به ما كان يجده الثاني من الوجد ، واعلم أنّ للشوق مراتب أولها استحسان ، وينشأ عن النظر والسماع ، ثم مودة وهي الميل ، وينشأ عن دوام الفكر في محاسن الحبيب ثم محبة وهي ائتلاف روحان ، ثم خلة وهي تمكن المحبة في القلب ، ثم هوى وهو أن لا يخالط المحب في المحبة تغير ، ولا يداخله فيها تكدر ثم عشق وهو أن لا يخلو فكره من تخيل المحبوب ، ثم تهيم ، وهو أن لا يوجد في قلبه متسع لغير صورته ، ثم وله وهو الخروج عن الحسن فيداخله التغير في صفاته ، ويعجز الأطباء عن مداواته .
شرح
( قوله : فانطفى باللقاء الخ ) أي لأنّ دوام الشوق لا يكون إلا من عدم لقاء المحبوب . ( قوله : واعلم أنّ للشوق مراتب ) أي أعلى وأوسط وأدنى باعتبار انتهاء الأمر ووسطه وأدناه . ( قوله : وهي الميل ) أي ميل القلب إلى المحبوب . ( قوله : وينشأ عن دوام الفكر في محاسن الحبيب ) أي بكثرة خطورها بفكر المحب . ( قوله : وهي تمكن المحبة في القلب ) أي حتى يسهل بذل النفس في مرضاة المحبوب . ( قوله : وهو أن لا يخلو فكره ) أي وذلك لتمكن الصورة وانتقاشها في قلب المحبوب . ( قوله : وهو أن لا يوجد في قلبه متسع ) أي لامتلاء قلبه بما لمحبوبه من الحق والشواهد . خاتمة : نسأل اللّه حسنها ، اعلم أنّ من علامات المحبين رضي اللّه تعالى عنهم ملازمة ما عزموا على القيام به أو تركه لمحبوبهم ، فما فعلوه داموا عليه ، وما تركوه كذلك فهم مثابون دائما وأبدا على كل من الفعل والترك بحسن مقاصدهم حيث كان ذلك للحق تعالى ، ويشمل ذلك ترك الطيبات من الشهوات المباحة بحسب الأصل إذا كان يقصد تركها لمجاهدة النفس ، والخروج عن هواها لتصير طاعة يتقرب بها إليه تعالى ، فإذا أراد الكامل دوام الخير له في كامل ما يتركه يقصد بتركه التقرب إليه تعالى أما إذا تركه مع الغفلة عن ذلك فلا أجر له في الترك ، واللّه سبحانه وتعالى أعلم .