لو يعلم المدبرون عني كيف انتظاري لهم ورفقي بهم وشوقي إلى ترك معاصيهم لماتوا شوقا إليّ وانقطعت أوصالهم من محبتي يا داود هذه إرادتي للمدبرين عني فكيف إرادتي للمقبلين إليّ ) وفي نسخة عليّ ، ( وقيل : مكتوب في التوراة شوقناكم فلم تشتاقوا وخوّفناكم فلم تخافوا ، ونحنا لكم فسلم تنوحوا ) لم تختلف الشرائع في الترغيب والترهيب ، ويكفي في ذلك ما في الكتاب العزيز من بيان درجات المقربين وما أعد لهم ، وكيف أهلكهم في الدنيا بأنواع العذاب من الريح والصيحة والحجارة وغيرها ، فكل ما يتعلق بالترغيب والترهيب مقطوع به لم تختلف فيه الشرائع ، ولهذا قال تعالى في كتابه العزيز بعد ذكر الجنة والنار وأمر الدنيا والآخرة :
إِنَّ هذا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولى * صُحُفِ إِبْراهِيمَ وَمُوسى
[ الأعلى : 18 ، 19 ] . ( سمعت الأستاذ أبا عليّ ) الدقاق ( رحمه اللّه يقول : بكى شعيب عليه السلام حتى عمي فردّ اللّه بصره عليه ثم بكى حتى عمي فردّ بصره عليه ، ثم بكى حتى عمي فأوحى اللّه تعالى إليه إن كان هذا البكاء لأجل الجنة فقد أبحتها لك ، وإن كان لأجل النار فقد أجرتك منها ، فقال : لا بل شوقا إليك فأوحى اللّه تعالى إليه لأجل ذلك أخدمتك نبيي وكليمي ) موسى عليه
شرح
لائق في معاملة العظيم جل جلاله . ( قوله : لو يعلم المدبرون عني ) أي المعرضون عن إجابة رسلي فيما دعوتهم إليه من التوحيد والطاعة كيف انتظاري لهم أي على معنى ما أعددت لهم من الإكرام لو أقبلوا على طاعتي وعبادتي ، وقوله : لماتوا شوقا أي لأداهم علم ذلك إلى الموت المذكور . ( قوله : هذه إرادتي للمدبرين ) أي هذا ما أحبه لهم وأرضاه لهم . ( قوله : شوقناكم فلم تشتاقوا ) أي رغبناكم في محبتنا وطاعتنا وصدق الأعمال لنا بوعد الصدق وقول الحق ، فلم تشتاقوا بل دمتم على النفرة والإعراض والعقوق وخوّفناكم أي بوعيدنا كذلك فلم تنتهوا بل دمتم على غفلاتكم وشهواتكم .
( قوله : ونحنا لكم ) أي خلقنا لكم أسباب النوح والبكاء على تقصيركم ، فلم يقع منكم نوح ولا اتعاظ . ( قوله : من بيان درجات المقربين ) أي منازلهم الرفيعة ، وقوله : وما أعدلهم أي من النعيم المقيم ، وقوله : وبيان دركات العصاة أي الإشارة إلى ما ذكر من قوله تعالى :قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى[ الأعلى : 14 ] وقيل : إلى ما في التوراة جميعا وقوله :
صحف إبراهيم وموسى بدل من الصحف الأولى ، وفي إبهامه ووصفها ثم بيانها وتفسيرها من الفخامة ما لا يخفى روي عن النبي صلى اللّه عليه وسلم « من قرأ سورة الأعلى أعطاه اللّه عشر حسنات بعدد كل حرف أنزل على إبراهيم وموسى وعيسى ومحمد » واللّه أعلم .
( قوله : إنّ هذا لفي الصحف الأولى ) أي فجميعه من الشرائع القديمة وقد قرّرته شريعة الخاتم صلى اللّه عليه وسلم . ( قوله : لأجل ذلك أخدمتك الخ ) أي ومثل هذا لا يكون إلا من أجل عظم الشوق لأنّ فضيلة الجزاء تدل على عظم المجازي عليه . ( قوله : وإن الشوق إليه