بذلك إلى محبته للقاء اللّه ، وأنّه مشتاق إليه ، والمشتاق لا يحتمل طول الأجل ثم قال له أيضا : ( لقد كان لي أنس ) وراحة ( بهذا البيت الذي سمعته من هذا الثقفي يعني أبا علي رحمه اللّه وهو : يا من شكى شوقه من طول فرقته . اصبر لعلك تلقى من تحب غدا ) بموتك فيه وإنما أنس به لما فيه من ذكر الغد المنبىء عن قرب موته المحصل لمطلوبه ، وفيه إشارة إلى أنّه كان شديد الشوق إلى لقاء اللّه تعالى بسرعة مجيء الموت الذي يلقى به من هو مشتاق إليه ( وقال أبو عثمان : علامة الشوق حب الموت مع الراحة ) الحاصلة بتوالي النعم الدنيوية والأخروية ، فلا يسكن إلى شيء منها بل يكون قلبه مشتاقا إلى لقاء ربه ، أما حب الموت مع التعب والضر المنهي عنه في خبر « لا يتمنين أحدكم الموت لضر نزل به » « 1 » فليس هو لمحبة لقاء اللّه بل هو للراحة مما هو فيه من البلاء .
( وقال يحيى بن معاذ : علامة الشوق فطام الجوارح عن الشهوات ) بأن يعرض العبد عنها شوقا إلى ربه كما يعرض الطفل عن اللبن حين يطيب له الطعام ويشتاق إليه . ( سمعت الأستاذ أبا علي ) الدقاق ( يقول : خرج داود عليه السلام يوما إلى بعض الصحاري منفردا ) عن الخلق ( فأوحى اللّه إليه ما لي أراك يا داود وحدانيا فقال : إلهي )
شرح
على مثل ليلى يقتل المرء نفسه * ويحلو له مر المنايا ويعذبهذا ما أشار إليه وعوّل بما ذكره عليه فافهم .
( قوله : فقال له عبد اللّه : الخ ) فيه دلالة على كماله وقوّة رجائه في جميل فعل الحق لمن أحسن ظنه به فتأمل . ( قوله : يا من شكى شوقه ) أي شكى سبب اشتياقه من فراق أحبته ، وقوله : اصبر أي احبس نفسك على الرضا بما يجريه الحق تعالى من أحكامه التي لا تخلو عن حكمة لعل صبرك يثمر لك أن تلقى أحبتك عن قريب من الزمان . ( قوله :
علامة الشوق حب الموت ) أي حب ما يسهل سبيله من أعمال البر والخير وإن نفر بحسب طبعه من نفس الموت ، فالمراد عدم النفرة من الموت باعتبار تهيؤه إلى لقاء ربه بدوام جده في طاعة مولاه . ( قوله : مع الراحة الخ ) أفاد بهذا القيد أنّ محل النهي عن تمني الموت الوارد في الخبر الشريف فيما إذا كان مع غير الراحة بل مع التعب والضرر كما أشار إليه الشارح نفعنا اللّه به ، ومحله أيضا إذا لم يكن لخوف فتنة دينية أما له فلا كراهة فيه .
( قوله : الشوق فطام الجوارح ) أي لأنّ المحبة تستدعي الموافقة للحبيب والشوق أقوى في هذا منها واللّه أعلم . ( قوله : فأوحى اللّه إليه الخ ) محصله أنّ اشتغال العبد
هامش
( 1 ) أخرجه ابن عدي في ( الكامل في الضعفاء 6 / 3360 ) .