تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نتائج الأفكار القدسية في بيان معاني شرح الرسالة القشيرية — صفحة 179

مساهمون:

ص١٧٩
يقول : سمعت أبا عثمان الحيريّ يقول : سمعت أبا حفص يقول : أكثر فساد الأحوال من ثلاثة فسق العارفين وخيانة المحبين وكذب المريدين ، قال أبو عثمان ) في تفسير ذلك : ( فسق العارفين إطلاق الطرف ) أي التفات البصر ( واللسان والسمع إلى أسباب الدنيا ومنافعها ، وخيانة المحبين اختيار هواهم على رضا اللّه تعالى فيما يستقبلهم ) من الأفعال ( وكذب المريدين أن يكون ذكر الخلق ورؤيتهم تغلب عليهم على ذكر اللّه تعالى ورؤيته ، وسمعته ) أيضا ( يقول : سمعت أبا بكر الرازيّ يقول : سمعت أبا القاسم الجوهريّ يقول : سمعت أبا عليّ ممشاد بن سعيد العكبريّ يقول : راود خطاف ) وهو ما يسمى عصفور الجنة ( خطافة ) أي طلب منها أن يواقعها ( في قبة سليمان عليه السلام فامتنعت عليه فقال لها ) وسليمان يسمعه : ( تتمنعين عليّ و ) أنا ( إن شئت قلبت القبة على سليمان فدعاه سليمان عليه السلام وقال له : ما حملك على ما قلت : ) مع ما فيه من قلة الأدب ( فقال ) له : ( يا نبي اللّه إنّ العشاق لا يؤاخذون بأقوالهم ) لكثرة خطاياهم فيها ( فقال ) له : وكان يعرف منطق الطير بنص القرآن كما مرّ : ( صدقت ) وهذا النوع قد يقع من بعض المحبين ، ويسمى الشطح فلا يؤاخذون به ولا يعدلهم مقاما ولا حالا .
شرح
الشريف ومن سياقه أيضا ، ويحتمل أنّ المعنى أنّ المحبة توجب الموافقة فدعواها بدون موافقة دعوى بدون دليل . ( قوله : أكثر فساد الأحوال من ثلاثة الخ ) أقول : وسبب الجيمع عمي البصيرة قال تعالى :فَإِنَّها لا تَعْمَى الْأَبْصارُ وَلكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ[ الحج : 46 ] فالمعنى الحقيقي الضار في الدنيا والآخرة عمى القلوب عما يعود على العبد من الخير والشر ، أو المعنى فإنّها لا تعمي الأبصار عن درك الحقائق إذ هي ليس محلا لإدراكها ، ولكن العمى عمى القلوب عن ذلك لأنّها محل إدراكها ، قال الشاذليّ رضي اللّه تعالى عنه : عمى البصيرة في ثلاثة أشياء : إرسال الجوارح في معاصي اللّه تعالى ، والتضييع لطاعة اللّه ، والطمع في خلق اللّه ، فمن ادّعى البصيرة مع واحدة من هذه الثلاثة فقلبه هدف الظنون والوساوس . ( قوله : فسق العارفين إطلاق الطرف ) المراد بذلك الالتفات إلى غير اللّه ، ولو لحظة ، ويشهد لذلك أنّ مقام العرفان فوق مقام العبادة والزهد والورع ، فإذا أطلق العارف طرفه على معنى ما قدمنا فقد سقط عن مقامه . ( قوله : اختيار هواهم الخ ) أي وذلك لأنّ مقام المحبة يوجب الموافقة بل يقتضي الإيثار كما مر غير مرة . ( قوله : فقال : يا نبي اللّه إنّ العشاق لا يؤاخذون الخ ) أي لأنّهم قد تغلبهم غلبات أحوال المحبة ، فهم مكرهون غير مختارين على أنّ المحب شأنه أنّ يحب المحبوب لا يرى إلا محاسنة فافهم . ( قوله : ولا يعدلهم مقاما ولا حالا ) أي لأنّ المقامات والأحوال لا تعتبر إلا بشاهد المتابعة وحكم الشرع .