المحبة ) لأنّ العبد إنما يحب من يعرف كماله وفضله ، وكل من القولين صحيح باعتبار التوجيهين لكن الأوّل أوفق بما عند محققيهم ، وقد أشار الإمام القشيريّ إلى ترجنحه بقوله : ( وعند محققيهم المحبة ) هي ( استهلاك في لذة ) بالتنعم فيما بقي معهم ( والمعرفة شهود في حيرة وفناء في هيبة ، وقال أبو بكر الكتانيّ جرت مسألة في المحبة بمكة أيام الموسم فتكلم الشيوخ بها وكان الجنيد أصغرهم سنا فقالوا له هات ما عندك يا عراقي فأطرق رأسه ودمعت عيناه ثم قال : ) المحب ( عبد ذاهب عن نفسه ) إلى ربه ( متصل بذكر ربه قائم بأداء حقوقه ناظر إليه بقلبه ) قد ( أحرق قلبه أنوار
شرح
أنّ المعرفة من أعظم أسبابها ، فلا تتحقق المحبة بدون المعرفة ، والجواب أنّ الكلام في الحقائق الكاملة . ( قوله لأنّ العبد إنما يحب من يعرف الخ ) محصله أنّ تقديم المعرفة على المحبة من حيث أنّها السبب والباعث عليها . ( قوله : استهلاك في لذة ) أي وهذا حال أرباب الصحو ، وقوله ، والمعرفة شهود في حيرة أي وهو من حال أرباب المحو وأرباب الصحو أكمل من أرباب المحو فتدبر واللّه أعلم .
( قوله : فأطرق رأسه الخ ) لعل ذلك منه لملاحظة خطر هذا المقام ، وأنّه ربما جرى على لسانه ما لم ينله بقلبه فيكون حظه الأقوال المجردة عن الأحوال ، وهو من نعت المبعدين وصفة المنافقين ، ولهذا تراه رضي اللّه تعالى عنه قد نطق بالحكم واللطائف .
( قوله : قال : المحب عبد ذاهب الخ ) محصله أنّ المحب إنسان قد تحلى بنعت العبودية ، وتخلى عن العادات البشرية ، ثم اتصل بدوام الذكر لمن وجب له خالص الشكر ، فقام بأداء الحق مصحوبا بمراقبات الصدى حتى اشتعلت نار الأشواق بقلبه فأحرقت منه ما سوى حق ربه فشرب بكأس شراب المحبين فسكر بتجلي الحق المبين ، فصار لا يفوه إلا باللّه ، ولا يتكلم إلا من اللّه ، ولا يعوّل إلا على اللّه ، فجميع حركاته وسكناته باللّه إعانة ومن اللّه توفيقا وللّه إخلاصا ، ومع اللّه مراقبة ، هذا معنى إشارته بفائق عبارته رضي اللّه تعالى عنه وعنا به .
( قوله : عبد ذاهب عن نفسه ) أي مفارق لها باعتبار عاداتها ومألوفاتها ، وقوله : إلى ربه أي إلى ما يقربه من رضاه وإحسانه ، وقوله : متصل بذكر ربه أي دائم الاشتغال به بلسانه وقلبه ، وقوله : قائم بحقوقه أي بما طلب منه وجوبا وندبا وما هو الأولى في حقه ، وقوله : ناظر إليه بقلبه أي مراقبه في جميع حركاته وسكناته ، وقوله : قد أحرق قلبه أنوار هو فيه أي بعد أن تفرق في ميادين مظاهر الأسماء والصفات اجتمع بواسطة إشراف نور الذات ، والمراد بإحراق القلب قوّة البواعث على الفناء في محبة هوية الذات ، وقوله :
وصفا شربه أي راق نصيبه وحظه من كدورات البشرية ، وقوله : كأس وده أي المبتدأ ذلك الصفا من محبته الأكيدة .