تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نتائج الأفكار القدسية في بيان معاني شرح الرسالة القشيرية — صفحة 173

مساهمون:

ص١٧٣
أشرف على الناس في يوم عيد وقال : من مات عشقا ) أي حبا ( فليمت هكذا ) إذ ( لا خير في عشق بلا موت وألقى نفسه من سطح عال فوقع ميتا ) لأنّ من قويت محبته من محبوبه ، ولم يجد وصولا إليه هان عليه بذل نفسه فيه لكن لا يخفى أنّ الفعل المذكور ممنوع منه ، فلا فضيلة فيه ، ولعل فاعل ذلك كان كافرا أو جاهلا أو مغلوبا على عقله . ( وحكي أنّ بعض أهل الهند عشق جارية فرحلت الجارية فخرج الرجل في وداعها فدمعت إحدى عينيه دون الأخرى فغمض التي لم تدمع أربعا وثمانين سنة ، ولم يفتحها عقوبة لها لأنّها لم تبك على فراق حبيبته ) الغرض من ذلك أنّ العبد إذا وجد مع اللّه لذة ودام ذكره ومناجاته له ، ثم ابتلاه ببعده وفتوره عما كان فيه ، فحقه دوام البكاء والقلق ، فإن لم تساعده نفسه على ذلك أدبها بالآداب الجائزة عقوبة لها كما فعل هذا بعينه ، ( وفي معناه أنشدوا : بكت عيني غداة البين ) أي الفراق ( دمعا . وأخرى بالبكا بخلت علينا . فعاقبت التي بخلت علينا . بأن غمضتها يوم التقينا ) وفي نسخة بعد هذا :
وجازيت التي جادت بدمع * بأن أقررتها بالحب عينا
( وقال بعضهم : كنا عند ذي النون المصري فتذاكرنا المحبة فقال ذو النون ، كفوا عن هذه المسألة لا تسمعها النفوس فتدعيها ثم أنشأ يقول : الخوف أولى
شرح
وتارة يغلبه الحامل بسطوات قوّته ، فهو حينئذ متردّد بين الثبات وضده بخلاف من تمكنت المحبة من قلبه ، وكان عمله من أجلها . ( قوله : أو مغلوبا ) أي بسبب مرض أو غلبات المحبة من قلبه ، وكان عمله من أجلها . ( قوله : أو مغلوبا ) أي بسبب مرض أو غلبات الحقيقة عليه فلم يحفظ فيها . ( قوله : كما فعل هذا بعينه ) أي في عشق من له شبيه ، فمحبة من لا شبيه له أحق وأولى . ( قوله : بكت عيني ) أي سال دمعها ، وقوله : غداة البين أي صبح يوم الفراق ، وقوله : دمعا تأكيد لقوله : بكت وأخرى أي وعيني الأخرى بالبكاء بخلت علينا أي لم يسل دمعها ، وقوله : فعاقبت التي بخلت علينا يعني بالبكاء بأن غمضتها يوم التقينا أي وقت ملاقاتنا منعا لها من لذة المشاهدة تأديبا على ما جنته من بخلها بالدمع . ( قوله : بأن أقررتها ) أي صيرتها قريرة مسرورة بمشاهدة محبوبها . ( قوله : فقال ذو النون : كفوا الخ ) غرضه نفعنا اللّه به أنّ حقيقة المحبة مما لا تسعه العقول ، وذلك لأنّ نهايتها الاتحاد بحيث يصير المحب والمحبوب كالشئ الواحد ، وله الإشارة بالخبر القدسيّ « مرضت فلم تعدني استطمعتك فلم تعطمني » « 1 » الحديث وخبر « كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به » الحديث حيث أشار ذلك إلى أنّ الحق تعالى بلطفه نزل
هامش
( 1 ) أخرجه مسلم ( بر 43 ) .
نتائج الأفكار القدسية في بيان معاني شرح الرسالة القشيرية — صفحة 173 | الشيخ عبد الله العروسي / عبد الوارث محمد على