الكتب المنزلة ) يا ( عبدي أنا ) مبتدأ ( وحقك ) قسم أقسم به لشدة حرمته عليه فإنّ حرمة المؤمن عند اللّه عظيمة ( لك محب ) خبرا لمبتدأ ( فبحقي ) عليك ( كن لي محبا ) لتكمل سعادتك ، وقد قال تعالى :
يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ
[ المائدة : 54 ] فما أحبوه حتى أحبهم إذ لو لم يحبهم لما خلق لهم محبته ، ( وقال عبد اللّه بن المبارك : من أعطى شيئا من المحبة ولم يعط مثله من الخشية ) أي الخوف ( فهو مخدوع ) لأنّ كل نعمة لم يصحبها خوف زوالها فصاحبها معجب بها فهو مخدوع بها . ( وقيل : المحبة ما يمحو أثرك ) لأنّ شدة الحب تورث السقم ( وقيل : بالمحبة سكر لا يصحو صاحبه ) وفي نسخة صاحبها ( إلا بمشاهدة محبوبه ثم السكر الذي يحصل عند الشهود لا يوصف ) لعظمه فشغلك باللّه عن غيرك من المخلوقين ، وأنت مدرك لسلوكك سكرة ، وشغلك به عن غيره حتى نفسك سكرة أخرى أعظم من تلك ، وهي محبة العارفين ، وتلك محبة العابدين والزاهدين .
( وأنشدوا ) في معناه ( فأسكر القوم دور كأس . وكان سكري من المدير . وكان
شرح
فمن هنا يكون البكاء ، وقوله : خفيّ صباباتي يريد ما تنطوي عليه ضلوعه من رقة الشوق للمنظر الآجل ، وقوله : ومكنون أحزاني يريد بذلك ما يستره من ألم الفقد عند رجوعه وانقطاع تلك الواردات عنه ، واللّه أعلم بمراد أوليائه وأحباب ولائه .
( قوله : عبد أنا وحقك الخ ) غير خاف أنّ للحق تعالى أن يقسم بما شاء من خلقه كما ثبت في غير ما آية من الكتاب العزيز . ( قوله : فما أحبوه الخ ) أي لأنّ علة محبة الخلق سبق عناية الحق . ( قوله : ولم يعط مثله من الخشية الخ ) أي ويشهد لذلك علم الفروع حيث ذكر فيه أنّه يطلب الخوف في حال صحة الإنسان والرجاء في حال المرض ، فالكامل من كان يتقلب بين الخوف والرجاء بموافقة المتابعة بأن يستعمل كلا فيما طلب له مع عدم الإفراط والتفريط . ( قوله : وقيل : المحبة ما يمحو أثرك ) أي أثر جسمانيتك وطبيعتك كالعادات والمألوفات إذا علمت ذلك رأيت ما في الشارح من القصور في التعليل إلا أن يقال : إن تحول الجسم بمفارقة المألوفات أيضا تأمل . ( قوله : فأسكر القوم الخ ) أي سكر القوم إنما كان من إدارة الكأس لأجل بقية بقيت لنفوسهم وقفوا معها ، وكان سكري وغيبتي من نفس المدير استغراقا في شهوده مع الفناء عما سواه ، هذا ، وما ألطف قول الشيخ الأكبر متغزلا وهو يقصد الحقائق الإلهية قدس اللّه سره :ومن أعجب الأشياء ظبي مبرقع * يشير بعناب ويومي بأجفان
ومرعاه ما بين الترائب والحشا * ويا عجبا من روضة وسط نيرانفهو يريد لطيفة إلهية محجوبة بحال نفسية من أحوال العارفين المجهولة ، ويعني بقوله : ومرعاه الخ ما حشى به باطنه من الحلم والإيمان ثم أخذ يتعجب من محب أحرقته