والجلال لأنّ صفاته تعالى قديمة لا تزول ، فالمحبة لها كذلك ، ( وقيل : حبس ) أبو بكر ( الشبلي في المارستان ) ليتداوى فيه مما حصل له من شبه الجنون بسبب غلبة المحبة عليه ، وهو مع ذلك ناظر إلى اللّه ، ولما أجراه عليه وابتلاه به ( فدخل عليه جماعة ) من إخوانه ( فقال ) لهم : ( من أنتم فقالوا : محبوك يا أبا بكر ) فأخذ يبتليهم كما ابتلي ليعرف صدقهم في دعواهم محبته ( فأقبل برميهم بالحجارة ، ففروا فقال : إن ادعيتم محبتي فاصبروا على بلائي ، وأنشد الشبلي ) يناجي ربه فقال : ( يا أيها السيد الكريم . حبك بين الحشا مقيم . يا رافع النوم عن جفوني . أنت بما مرّ بي عليم .
سمعت الشيخ أبا عبد الرحمن السلميّ رحمه اللّه يقول : سمعت منصور بن عبد اللّه يقول : سمعت النهرجوريّ يقول : سمعت عليّ بن عبيد يقول : كتب يحيى بن معاذ إلى أبي يزيد : سكرت من كثرة ما شربت من كأس محبته ، فكتب إليه أبو يزيد ) لما فهم أنّه ذاق منها مرة واحدة فلم يطق حملها فسكر ( غيرك شرب بحور السماوات والأرض ) من المحبة ( وما روي بعد ) بل هو فاغر فاه ( ولسانه خارج ) عنه ( و ) هو
شرح
حقه من الجلال والكمال مع الفناء عن الحظوظ العاجلة والآجلة . ( قوله : وقيل : حبس أبو بكر الخ ) أقول : ويؤيد ذلك ويوضحه قول الشيخ الأكبر في قصيدته التي أوّلها :ألا يا حمامات الأراكة والبان * ترفقن لا تضعفن بالشجو أشجانيإلى أن قال فيها رضي اللّه تعالى عنه ونفعنا ببركات علومه ومعارفه :لنا أسوة في بشر هند وأختها * وقيس وليلى ثم ميّ وغيلانحيث ذكر المحبين في عالم الكون المهيمين بعشق المخدرات في الصور فهو يقول : الحب من حيث ما هو حب لنا ولهم حقيقة واحدة غير أنّ المحبوب مختلف فهم تعشقوا بكون ، وأنا تعشقت بعين ، والشروط واللوازم والأسباب واحدة فلنا أسوة بهم فإنّ اللّه ما هيّم هؤلاء ولا ابتلاهم بحب أمثالهم إلا ليقيم بهم الحجة على من ادّعى محبته ولم يهم في حبه هيمان هؤلاء حيث ذهب الحب بعقولهم وأفناهم عنهم لمشاهدة شواهد محبوبهم في خيالهم ، فأحرى من يزعم أنّه يحب من هو سمعه وبصره . ( قوله : فأقبل يرميهم بالحجارة ) أي على عادة المجانين ممن زال علقهم بعارض مرض سوداوي مثلا .
( قوله : فقال : إن ادعيتم محبتي الخ ) أي فدعوى المحبة بدون الصبر على ما يرد من أحكام المحبوب دعوى زور وكذب . ( قوله : يناجي ربه ) أي متعرضا إلى إجابة سؤله بواسطة الثناء على الحق تعالى بإحاطة علمه بما هو كائن به . ( قوله : لما فهم أنّه ذاق مرة واحدة الخ ) وجهه أنّ قول يحيى بن معاذ : سكرت من كثرة ما شربت لا يفيد تكرر الشرب لأنّ الكثرة تتحقق في مرة واحدة .
( قوله : غيرك ) أي ممن هو من أهل الكمال الذين قوّاهم الحق تعالى وأعانهم على