للنعم ، ثم تكون للكمال والجلال ، ثم يشتغل به تعالى حتى يستغرق فيه وينسى المحبة ، فكلامه رضي اللّه عنه في كمال درجات المحبة ، وهو الشغل عنها بالمحبوب ، ( وقال جعفر : قال الجنيد : دفع السري إليّ رقعة وقال : هذه لك خير من سبعمائة قصة أو حديث يعلو ) أي حديث من أحاديث الصالحين ، وحكايات كراماتهم العالية الرفيعة التي تتحرك لسماعها القلوب ، فتنشط بها للعمل ، قال الجنيد : وفائدة حكاياتها تقوية قلوب المريدين بها قال : ودليل ذلك من الكتاب قوله تعالى :
وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْباءِ الرُّسُلِ ما نُثَبِّتُ بِهِ فُؤادَكَ
[ هود : 120 ] ( فإذا فيها ) أي الرقعة ( ولما ادّعيت الحب ) لليلى ( قالت : كذبتني . فمالي أرى الأعضاء منك كواسيا ) أي مكسوّات باللحم لأنّ كمال المحبة يمسك عن الطعام والمنام حتى يظهر على المحب التحول والسقام كما بينه بقوله : ( فما الحب ) موجودا ( حتى يلصق القلب بالحشا .
وتذبل ) أنت ( حتى لا تجيب المناديا ) لك ( وتنحل ) أي تهزل ( حتى لا يبقى لك الهوى . ) أي الحب ( سوى مقلة تبكي بها وتناجيا ) بها محبوبك وإنما كانت هذه
شرح
العارفين ، والاشتغال به تعالى من شيم المحققينكُلًّا نُمِدُّ هؤُلاءِ وَهَؤُلاءِ مِنْ عَطاءِ رَبِّكَ وَما كانَ عَطاءُ رَبِّكَ مَحْظُوراً[ الإسراء : 20 ] . ( قوله : وقال : هذه لك خير الخ ) وجهه أنّ المقصود بالاطلاع على قصص الصالحين من السلف إنما هو تقوية القلب الضعيف ، وهذه الأبيات التي في الرقعة لما اشتملت على ما حق المحب أن يكون عليه كانت تقويتها للقلب أتم وتنبيهها على التخلق أعظم ، واللّه سبحانه وتعالى أعلم .
( قوله :وَكُلًّا نَقُصُّ) أي وكل نبأ فالتنوين عوض عن المضاف إليه نقص عليك أي نخبرك به ، وقوله تعالى :مِنْ أَنْباءِ الرُّسُلِ[ هود : 120 ] بيان لكلا وقوله تعالى :ما نُثَبِّتُ بِهِ فُؤادَكَ[ هود : 120 ] بدل منه هذا ، والأظهر أن يكون المضاف إليه المحذوف المفعول المطلق لنقص أي نقص كل اقتصاص أي كل أسلوب من أساليبه ما نثبت به فؤادك مفعول نقص ، وفائدته التنبيه على أنّ المقصود بالاقتصاص زيادة يقينه عليه السلام وطمأنينة قلبه ، وثبات نفسه على أداء الرسالة واحتمال أذية الكفار بالوقوف على تفاصيل أحوال الأمم السابقة في تماديهم في الضلال وما لقي الرسل من جهتهم ، واللّه أعلم .
( قوله : ولما ادّعيت الحب ) أي ادّعيته دعوى قد تجرّدت عن الدليل المثبت لها ، ولذلك قالت : كذبتني أي حيث أخبرت بخلاف الواقع فما لي أرى الأعضاء الظاهرة منك كواسيا باللحم ، وذلك من أدلة كذبك في خبرك إذ لو صدقت لتجرّدت تلك الأعضاء من اللحم بما أنحلها من سقام المحبة الضروريّ عند تحققها ، وقوله : فما الحب موجودا أي بصفة كماله حتى يلصق أي إلى أن ينتهي بك الحال إلى لصوق القلب بالحشا من شدّة