( يقول : سمعت أحمد بن عليّ يقول : سمعت إبراهيم بن فاتك يقول : سمعت الجنيد يقول : سمعت الحرث المحاسبيّ يقول : المحبة ميلك إلى الشيء بكليتك ثم إيثارك له على نفسك ، وروحك ، ومالك ، ثم موافقتك له سرا وجهرا ) على ما أمرك به ونهاك عنه ( ثم علمك بتقصيرك في حبه ، وسمعته ) أيضا ( يقول : سمعت أحمد بن علي يقول : سمعت عباس بن عصام ) وفي نسخة عاصم ( يقول : سمعت الجنيد يقول : سمعت السريّ يقول : لا تصلح ) وفي نسخة تصح ( المحبة بين اثنين حتى يقول الواحد للآخر : يا أنا ) فينزله منزلته فكأنّه قال : أنت أنا لأنّ المحبة بين المتحابين توجب إيثار كل منهما للآخر على نفسه ، فيلزم منه رؤية كل منهما الفضل للآخر على نفسه ، ولهذا قال صلى اللّه عليه وسلم : « لا يبلغ المؤمن حقيقة الإيمان حتى أكون أحب إليه من نفسه وماله وأهله » « 1 » ، ( وقال الشبليّ : المحب إذا سكت ) أي عن ذكر محبوبه
شرح
( قوله : ثم إيثارك الخ ) عطفه وما بعده على ما قبله من عطف اللازم على الملزوم .
( قوله : ثم موافقتك له سرا وجهرا الخ ) أي ولهذا قيل : علامة المحبة قيام المحب بأوامر المحبوب ، واستحلاء ما مرّ من الشؤون والخطوب ، شعر :تعصي الإله وأنت تظهر حبه * هذا لعمري في القياس بديع
لو كان حبك صادقا لأطعته * إنّ المحب لمن يحب مطيعهذا ولا يطيق الكتمان من قلبه من المحبة ملآن ، شعر :ومن قلبه مع غيره كيف حاله * ومن سره في جفنه كيف يكتم( قوله : ثم علمك بتقصيرك في حبه ) أي لعدم القيام بواجب حقه .
( قوله : حتى يقول : الواحد الخ ) أي حتى يكونا كأنهما روحان حلتا بدنا واحدا ، ومن قول عاشقهم :أنا من أهوى ومن أهوى أنا * نحن روحان حللنا بدنا( قوله : فيلزم منه الخ ) أي ومن ذلك ما نقل عن إمامنا الشافعيّ رضي اللّه تعالى عنه في حق الإمام أحمد بن حنبل رضي اللّه عنه شعر :قالوا : يزورك أحمد وتزوره * قلت الفضائل لا تفارق منزله
إن زارني فبفضله أو زرته * فلفضله فالفضل في الحالين لهوكذلك ما نقل عن الإمام أحمد من قوله في حق الشافعيّ : إنّه كالشمس في الدنيا والعافية في البدن ، فإذا فقدا فهل لهما من بدل أو كما قال :
( قوله : حتى أكون أحب إليه الخ ) المراد المحبة العقلية لا الطبيعية كما لا يخفى
هامش
( 1 ) أخرجه الطبراني في ( المعجم الصغير 2 / 72 ) والفتني في ( تذكرة الموضوعات 189 ) .