العلماء بقولهم : الحق تعالى لا يميل ولا يمال إليه ، فهو الميل الحسيّ لأنّه تعالى ليس بجسم حتى يميل ، ولا في جهة حتى يمال إليه ، ( ويقال : المحبة تشويش في القلوب يقع من المحبوب ) لأنّه تعالى إذا منّ على عبده بمحبته تشوّشت عليه أسبابه وأحواله المعتادة ، وتعلقت آماله بالوصول إلى محبوبه وتمنى رؤيته ، ( ويقال : المحبة فتنة ) أي ابتلاء واختبار ( تقع في الفؤاد ) أي القلب ( من المراد ) أي المحبوب المطلوب
شرح
ما جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ[ الأحزاب : 4 ] أي المحبة الكاملة للّه هي تكون كذلك ، ولا يخفى ما في قوله : إفراط إذ لا يخلو أحد من نوع التفريط فافهم .
( قوله : المحبة تشويش الخ ) أقول لعل ذلك باعتبار العقل المعاشي لا عقل المعاني إذ لا تشويش باعتباره ، والحاصل أنّ العقول ثلاثة : معاشيّ ومعاديّ ومعانيّ ، فالأوّل ما اشترك فيه الخاص والعام والإنسان والبهائم والأنعام ، والثاني ما اختص به الثقلان الأنس والجان ، والثالث ما امتاز به الإنسان ، وشارك فيه الملائكة الكرام عليهم الصلاة والسلام ، وأيضا فالأوّل للشريعة والثاني للطريقة ، والثالث للحقيقة ، فمقام فقهاء الظاهر وعلماء الرسوم الأوّل ، ومقام علماء الباطن وفقهاء القلوب الثاني ، ومقام الراسخين في العلم المخزون والسر المكنون الثالث ، فكل طبقة في مقام ، ويتفاوتون فيه على حسب الأنعام تبارك اسم ربك ذي الجلال والإكرام تدبر تفهم ، وإلا فسلم الأمر تسلم . ( قوله : المحبة فتنة ) أي باعتبار خواطر قلب المحب إذ من ذلك خواطر الهوى الضلاليّ ومنشأ ذلك من النفس والشيطان ، فهما في حكم الفئتين المشار إليهما بقوله جل اسمه :قَدْ كانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتا فِئَةٌ تُقاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرى كافِرَةٌ[ آل عمران : 13 ] فمطلق المحبة قد تكون فتنة ، وإلا فهي لبعض الكمل منحة وشرف كما لا يخفى .
( قوله : وأنشد الخ ) اعلم أنّ العشق والحب ليس هو بالهين بل إنما هو كما قال سلطان العشاق في قصيدته اللامية رضي اللّه عنه :هو الحب فاسلم بالحشا ما الهوى سهل * فما اختاره مضني به وله عقل
وعش خاليا فالحب راحته عنا * وأوّله سقم وآخره قتلإلى آخر ما ذكر ، فالمحب في حال محبته يحمل ما لا تحمله الجبال ، ولذلك الإشارة بقوله :وَحَمَلَهَا الْإِنْسانُ[ الأحزاب : 72 ] ، وقوله جل شأنه :لَوْ أَنْزَلْنا هذَا الْقُرْآنَ عَلى جَبَلٍ[ الحشر : 21 ] مع أنّه نزل على قلب فخر المحبين صلى اللّه عليه وسلم وتلقته قلوب أصحابه وأتباعه ، ولم تتصدع قلوبهم من حمله ، فدل ذلك على أنّ الضعف المشار إليه بقوله جل جلاله :وَخُلِقَ الْإِنْسانُ ضَعِيفاً[ النساء : 28 ] إنما هو ضعف ما منه تركبت بنيته ، وأما اللطيفة الروحانية فهي الحاملة لما عجزت عنه الأكوان الكثيفة الأجرام الواسعة الأكناف ، ومن ثمّ قيل : العارف من يحمل السماوات والأرضين والعرش وما حواه على شعرة من