حظه من اللّه عز وجل وينسى حوائجه إليه ) بأن تشغله محبته للذات والكمال والجلال والأنس به تعالى عن ذكر الإنعام والإحسان إليه ، فحبه للّه يتعلق تارة بأفعاله من نعمه وإحسانه وتارة بكماله وجلاله وجماله ، والثانية أكمل من الأولى كما عرف .
( وقال الحسين بن منصور : حقيقة المحبة قيامك مع محبوبك بخلع أوصافك ) بأن تنسى نفسك شغلا بربك وبأنسك به ، فيرجع إلى ما مرّ . ( سمعت الشيخ أبا عبد الرحمن السلميّ ) رحمه اللّه ( يقول : قيل للنصر أباذيّ ليس لك من المحبة ) له ( شيء
شرح
اللّه تعالى بالرائي لينبهه بها على التمسك بحقيقة المحبة . ( قوله : حقيقة المحبة أن ينسى العبد الخ ) أقول : ويشهد لذلك ما نسب إلى سمنون رحمه اللّه تعالى حيث قال شعرا :فكان فؤادي خاليا قبل حبكم * وكان بذكر الخلق يلهو ويمرح
فلما دعا قلبي هواك أجابه * فلست أراه عن فنائك يبرح
رميت ببين منك إن كنت كاذبا * وإن كنت في الدنيا بغيرك أفرح
وإن كان شيء في البلاد بأسرها * إذا غبت عن عيني لعيني يملح
فإن شئت واصلني وإن شئت لم تصل * فلست أرى قلبي لغيرك يصلحقلت : قوله : فإن شئت واصلني الخ ليس إقداما وترك احترام وتمنيا للآلام والأسقام بل هو تفويض وتسليم واعتراف بأنّ الحق له فعل ما يشاء فإنّه العليم الحكيم .
( قوله : وينسى حوائجه إليه ) أي ولو كانت الحاجات آجلة أخروية كما لا يخفى على من له ذوق وإلمام . ( قوله : فحبه للّه الخ ) تكميل للفائدة ، وإلا فالقصد محبة الذات دون شيء آخر معهما ، وقوله : يتعلق تارة بأفعاله الخ التي تؤثر في النعم على العبيد والتي لا تؤثر ذلك على حسب اختلاف همم المقربين قوة وضعفا .
( قوله : حقيقة المحبة قيامك مع محبوبك الخ ) أقول : لعله يشير للخروج حسن العقل عند من أراد إدراك الحقائق الإلهية لأنّ العقل كالرقيب يمنع المواصلة ، وينغص عيش الأحبة بالمراقبة ، وذلك لأنّه معقول عن درك الحقائق المطلقة غافل عن إدراكها ، فتأمل سر قوله جل شأنه :إِنَّ فِي ذلِكَ لَذِكْرى لِمَنْ كانَ لَهُ قَلْبٌ[ ق : 37 ] حيث لم يقل :
عقل ، لأنّ القلب يتقلب مع الحق سبحانه وتعالى في جميع شؤون مظاهره إن تجلى بالأسماء أو بالصفات أو بغير ذلك ، أو ما سمعت خبر « لم يسعني أرضي ولا سمائي ووسعني قلب عبدي » « 1 » ومثل القلب في كل ذلك السر ، ثم لا يخفى عليك أنّ المراد بالعقل المعاشي أو المعادي لا عقل المعاني فافهم ، ولا ترجع لمن لا يعلم .
( قوله : فقال صدقوا الخ ) لعله أراد نفي المحبة اللائقة بفائق الكمال الإلهي لأنّها
هامش
( 1 ) أخرجه الزبيدي في ( إتحاف السادة المتقين 7 / 234 ) .