فقال : صدقوا ولكن لي حسراتهم فهو ذا احترق فيه ) أي في اللّه ، وهذا كمال في الأدب وستر لحاله عمن حجب فورّى بقوله : صدقوا أي في أنّ محبته ليست هي قلقا ولا طيشا ، وإنما هي حسرات المحبين الكاملين الذين أفرغوا جهدهم في المحبة وما بلغوا مطلوبهم لأنّ معرفتهم لكماله وجلاله وجماله لم يقوموا بها حق القيام ، ( وسمعته ) أيضا ( يقول : قال النصر أباذيّ : المحبة مجانبة السلو ) عن المحبوب ( على كل حال ) بأنّ يستغرق العبد في صفات محبوبه من الكمال والجلال والجمال بحيث يتعذر عليه سلوه عنه واشغتاله بغيره ( ثم أنشد ) في معنى ذلك ( ومن كان في طول الهوى ) أي الحب لليلى ( ذاق سلوة . فإني من ليلي لها ) أي للسلوة ( غير ذائق ، وأكثر شيء نلته ) وأدركته ( من وصالها . أمانيّ لم تصدق كلمحة بارق ) أي لم يدرك من كمالها وجلالها والأنس بها إلا شيئا يسيرا . فلو كمل حاله في الشغل بها لاستحالت السلوة ، وأما المحبة للنعم فقد تزول بزوالها كما مرّ ، فيسلو فيها المحب عن محبوبه ، ( وقال محمد بن الفضل : المحبة سقوط كل محبة من القلب إلا محبة الحبيب ) لشغل المحب به عن نفسه فضلا عن محبة حبيب آخر ، ( وقال الجنيد :
المحبة فراط الميل ) بالقلب ( بلا نيل ) أي إصابته للنعم ، أشار بذلك إلى بيان المحبة الكاملة ، والمراد الميل المعنويّ ، وهو تعلق القلب برؤية محبوبه أما الميل الذي نفاه
شرح
غير مقدورة للبشر ، وحينئذ فلا حاجة لما ذكره الشارح من التورية ، فتدبر تفهم واللّه أعلم . ( قوله : مجانبة السلو الخ ) أقول : لعله باعتبار حال غير الكمل أما الكمل فمحبتهم توجب لهم الرضا بأحكام الحق تعالى وإن لم تلائم البشرية بل تقتضي اللذة والفرح والسرور من حيث هي مراداته تعالى قال بعض المحبين : تلذلي الآلام مذ أنت مسقمي إلى آخر ما قال ، ثم أقول : وكيف لا يكون كذلك وهو إذا دخل ليلة حمى الحبيب وقت غفلة الواشي والرقيب التذ بسماع الخطاب في حضرة الندمان من الأحباب ، شعر :يا ليلة بالحمى ما كان أطربها * من طيبها رقصت من تحتنا النجب( قوله : ومن كان في طول الهوى ) أي مع طول زمنه ذاق سلوة أي مللا للحب وسآمة منه فإنني من ليلي لها غير ذائق ، وذلك لاستغراقي ومحو صفاتي في حبها حتى صرت لا أهوى خلاف ما تهوى ، وقوله : وأكثر شيء نلته الخ مراده أنّ نهاية ما وصل إليه من وصال محبوبته مجرد أمانيّ لطيفة إذا اتفقت لا تدوم ، وذلك لقوّة حجابها وعزتها الثابت ذلك لها ، ومن ذلك كانت تلك الأمانيّ لا تصدق وتزول بسرعة كسرعة البرق .
( قوله : فقد تزول بزوالها ) أي ومن هذا القبيل ما اشتهر من قولهم : من أحبك لشيء سلاك عند انقطاعه . ( قوله : المحبة سقوط كل محبة من القلب الخ ) أقول : قال تعالى :