تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نتائج الأفكار القدسية في بيان معاني شرح الرسالة القشيرية — صفحة 158

مساهمون:

ص١٥٨
للطاعات والإحسان أن تعبد اللّه كأنك تراه ، فإن لم تكن تراه فإنّه يراك كما مرّ ، ( وقال يحيى بن معاذ : حقيقة المحبة ) الكاملة ( ما ) أي حال ( لا ينقص بالجفاء ولا يزيد بالبر ) لأنّ هذه المحبة محبة للذات لما هي عليه من صفات الكمال والجلال اتي لا تتبدّل ولا تتغير لاستحالة تغير متعلقها بخلاف المحبة للنعم ، فإنّها تزول بزوالها ، ( وقال ) أيضا : ( ليس بصادق من ادّعى محبته ) تعالى ( ولم يحفظ حدوده ) التي طلبها منه ونهاه عنها ، ( وقال الجنيد : إذا صحت المحبة سقطت شروط الأدب ) أي تكلف المحب للمحبوب كما مرّ ، ( وفي معناه أنشد الأستاذ أبو عليّ رحمه اللّه . إذا صفت
شرح
نظر الثمرة مجرّد المحبة فتأمل . ( قوله : حقيقة المحبة الخ ) مراده بها المحبة الكاملة كما أشار إليه الشارح ، وقوله : ما أي حال لا ينقص الخ أقول : وذلك لمحو صفات المحب في نعوت المحبوب ، ولأنّ من عرف ما طلب هان عليه ما ترك ، فمن تفكر في أصل نفسه بداية ونهاية عرف حق ربه فرضي بما يجريه من أحكامه ، وكيف لا ولولا ذل المحب ما لذ له الحب ، وقد أشار إلى ذلك سلطان المحبين ابن الفارض قدّس اللّه روحه ، ونوّر ضريحه حيث قال في تائيته :ولو عز فيها الذل ما لذ لي الهوى * ولم تك لولا الذل في الحب عزتيفالعز باطن في الذل كما أنّ الذل باطن في العز فتأمل حقيقة الخليل والكليم والشفيع صلوات اللّه وسلامه عليهم أجمعين كيف قاسى كل منهم ما قاسى من الإقصاء والإيذاء والإذلال الظاهريّ ، ومع ذلك أثمر لهم عاقبة العز في الدنيا والآخرة ، وكذلك حال المحبين واللّه أعلم . ( قوله : محبة للذات ) أي باعتبار تجلي الصفات والأسماء القديمة . ( قوله : ولم يحفظ حدوده ) أي فلا بدّ للسائر من المحبين من ثلاثة أشياء تدله العقل أي تحيره بحيث ينسب صاحبه إلى الجنون ، وقوّة الجهد بحيث يصير مجهودا وغايته الذل وهو الثالث ، فيستفاد من التدله العقل أي الفهم عن اللّه تعالى ، ومن المجاهدة المشاهدة ، فيقوى بها على تحمل الأعباء ، ولذلك الإشارة بخبر « ليس الشديد بالصرعة إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب » « 1 » ، ومن المذلة العزة فيصير أعز أبناء جنسه ، قال تعالى :وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ[ المنافقون : 8 ] . ( قوله : ولم يحفظ حدوده ) أي لأنّ شأن المحب الموافقة لمن يحبه . إنّ المحب لمن يحب مطيع . . ( قوله : سقطت شروط الأدب ) المراد سقط تكلف الشروط وبقي من أسبابها المحبة ، وإلا فالمحبة توجب زيادة الأدب كما لا يخفى ، فوصف المحبة كاف في إلزام طريق الأدب والبعد عن أسباب العطب .
هامش
( 1 ) أخرجه البخاري ( أدب 102 ) ومسلم ( بر 106 - 108 ) والموطأ ( حسن الخلق 12 ) وأحمد بن حنبل ( 1 ، 382 ، 2 ، 236 ، 268 ، 517 ) .