( يقول : سمعت النصر أباذيّ يقول : ) المحبة نوعان ( محبة توجب حقن الدماء ومحبة توجب سفك الدماء ) فيه دليل على أنّ المحبة من العبد إيثار المحبوب ، ولها أقل وأكمل فأقلها محبة النعم وتواليها عليه من المنعم ، فإذا شكر عليها تزايدت عليه وحفظت عليه نفسه ونعمه وأكملها استغراقه في ذكر ربه ومناجاته ، وتلذذه بذلك بحيث غلب على قلبه ذلك ، وبذل نفسه في الجهاد حتى أوجب أن يراه تعالى ، فالمحبة الأولى أوجبت حقن الدماء للشكر على النعم والثانية أوجبت سفك الدماء لرؤية المنعم ، ( وسمعته ) أيضا ( يقول : سمعت محمد بن عليّ العلويّ يقول : سمعت جعفرا يقول : سمعت سمنونا يقول : ذهب المحبون للّه تعالى بشرف الدنيا والآخرة لأنّ النبي صلى اللّه عليه وسلم قال : « المرء مع من أحب فهم مع اللّه تعالى » ) كما أنّ اللّه معهم قال تعالى :
إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ
[ النحل : 128 ] والتقوى اسم جامع
شرح
مدار النفع . ( قوله : المحبة نوعان ) أي بحسب ما ذكر هنا وإلا فهي ثلاثة أنواع على حسب بواعثها من المحبين ، والنوع المتروك أدنى البواعث على ما تقدّم .
( قوله : محبة توجب حقن الدماء ومحبة توجب سفك الدماء ) أقول : مشهد الأوّل الجلال والجبروت استغرق في ذلك المشهد حتى أتاه اليقين ، وهو عامل على متابعة سيد الكاملين عليه صلاة رب العالمين ، ومشهد الثاني الجمال والدلال فتاه بعز الوصال وفاه بما ظاهره ينافي الكمال ، وباح من سكر خمر الحقيقة بما أشرق لقلبه من أنوار طوارق الطريقة ، فجوزي بالقصاص حتى التبس أمره على الناس هذا ما بدا لي ودعا إليه حالي ، وإن كان جرى الشارح على خلافه مما أشربه من خمر كأسه .
( قوله : ومحبة توجب الخ ) أقول : وما ألطف ما قيل هنا من قولهم :أموت بدائي لا أصيب دوائيا * ولا فرجا مما أرى من بلائيا
إذا كان داء العبد حب مليكه * فمن دونه يرجو طبيبا مداويا( قوله : ومحبة توجب سفك الدماء ) أقول : ولذلك الإشارة بقول أبي العباس الشبليّ قدس اللّه سره ، لا تتكلموا في الطريق مع غير أهلها ، فمن تكلم فيها مع غير أهلها شهدت عليه كما شهد الجنيد على الحلاج .
( قوله : فأقلها محبة النعم الخ ) المراد بالنعم ما يعم العاجلة أو الآجلة أو هما معا ، وبذلك تتم أنواع المحبة الثلاثة . ( قوله : وأكملها الخ ) أقول : ويحتمل أنّه أشار بذلك إلى حال أهل الشطح ممن سفكت دماؤهم بسيف الشريعة وقت ما صدر منهم ما يخالف ظاهرها .
( قوله : قال : المرء مع من أحب ) أقول : ظاهره وإن قصر في المتابعة وهو كذلك