أي ما غلب على قلب العبد من شغله باللّه بحيث تكاملت محبته فيه وامتلأ قلبه بعجائب ما يرى من كماله وجلاله وقدرته ( دهش ) وهذا حقيقة المحبة ، ( وسمعته ) أيضا ( يقول : العشق مجاوزة الحد في المحبة ) بأن يستغرق المحب في محبوبه حتى لا يحس بنفسه ، فمجاوزته لإحساسه بنفسه هي مجاوزته الحدّ ( و ) لكن ( الحق سبحانه لا يوصف بأنّه يجاوز الحدّ ) لتنزهه عن ذلك ( فلا يوصف بالعشق ) وإن وصف بالمحبة لعدم الإذن فيه ، ولأنّه إنما يكون لغائب واللّه لا يغيب عنه شيء لأنّه عالم بكل شيء ، ولا يؤثر في ذلك كون الوصف كمالا عادة فإنا نصفه تعالى بأنّه حكيم وكريم وعالم لأنّه وصف نفسه بها ، ولا نصفه بأنّه مهندس وسخيّ وفقيه أو نحويّ أو أصوليّ ( ولو جمع محاب الخلق كلهم لشخص واحد لم يبلغ ذلك استحقاق قدر الحق سبحانه ) وتعالى على ذلك الشخص ( فلا يقال : إنّ عبدا جاوز الحدّ في محبة اللّه تعالى ) بل ولا بلغه ( فلا يوصف الحق سبحانه ) وتعالى ( بأنّه يعشق ) عبده ( ولا ) بوصف ( العبد في صفته سبحانه بأنّه يعشق ) ه لعدم الإذن كما مر ( فنفي العشق ) عن أن يوصف به الحق وأن يوصف به العبد فيما ذكر ، وقد أوضحه بقوله : ( ولا سبيل له ) أي للعشق ( إلى وصف الحق سبحانه ) به ( لا من الحق للعبد ولا من العبد للحق سبحانه ) فلا يقال : الحق عشق عبده ، ولا العبد عشق الحق ولا يخفى ما في كلامه من التكرار . ( سمعت الشيخ أبا عبد الرحمن السلميّ رحمه اللّه يقول : سمعت منصور بن عبد اللّه يقول : سمعت الشبليّ يقول : المحبة أن تغار ) أنت ( على
شرح
أيديهن ،وَقُلْنَ حاشَ لِلَّهِ ما هذا بَشَراً إِنْ هذا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ[ يوسف : 31 ] وأخذت كل واحدة منهن تطلب الوصال لنفسها حتى استغاث وقالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ[ يوسف : 33 ] .
( قوله : العشق مجاوزة الحدّ في المحبة ) أي مجاوزة حدّ الشعور بالنفس وما لها من الحظوظ ، فالعشق آخر درجات المحبة وهو بهذا المعنى الذي ذكرناه يصح إضافته للعبد المحب للّه تعالى فيقال له : عاشق . ( قوله : لأنه إنما يكون لغائب ) أي لأنّ ما وراء الحدّ غائب عن الشخص . ( قوله : ولا يؤثر في ذلك ) أي لا يسهل الإطلاق عليه تعالى .
( قوله : ولا نصفه الخ ) أي وإن كان بمعنى ما ورد . ( قوله : لعدم الإذن ) أي ولعدم إمكان مجاوزة الحدّ في محبته سبحانه وتعالى . ( قوله : ولا يخفى الخ ) أنت خبير بأنّ معظم الأقوال في غالب الأبواب متقاربة المعاني غير أن الباعث على ذكر جميعها إنما هو زيادة البيان مع فائدة قوّة السند بذكر العارفين ، وهذه فائدة وأي فائدة . ( قوله : أن تغار أنت على المحبوب ) أقول : للّه در الشارح فيما خرج عليه هذا المعنى ، فاللّه تعالى ينفعني وإخواني المؤمنين ببركة علومه ومعارفه .