شرح
يرى نفسه معدوما موجودا فانيا باقيا ظاهرا باطنا ، وهذا نهاية رتبة الولاية ، ثم في الحديث الإشارة إلى رتبة الفرق بقوله : ولا يزال عبدي الخ ، وإلى مقام الجمع بقوله : فبي يسمع الخ ، والمراد بالفرق الكسب ، وبالجمع المواهب يعني ثمرة المجاهدات ، ولا شك أنّ عزة العبد في أنّه يجد أفعال نفسه في أفعال الحق سبحانه مستغرقة ، ومجاهداته في الهداية إليها منفية ، فحينئذ يكون قيام العبد بالحق ، والحق سبحانه معه بلسان الغيب من غيب الغيب فبي يسمع وبي يبصر الحديث ، يعني يقول سبحانه : إنّ عبدي إذا تقرب إلي بمجاهداته فنحن ندخله في سرادقات محبوبيتنا ، وغلبة الشوق إلينا ونفي وجوده فيه ونقطعه عن نسبة أفعاله إليه فيغني عن ذكره كسبه ، فينوب عنه ذكر سلطاننا يعني ينقطع عنه نسبة آفات الصفات الآدمية إليه ، ويكون ذكره ذكرنا ، وتزداد عليه تلك الحالة إلى أن يصير في غلبة الحال بصفة قال فيها أبو يزيد : سبحاني ما أعظم شأني ، فقد جرى على لسانه في معرض الحكاية عنه تعالى أو في سكر وغلبات حال ، كما ورد في هذا الحديث الصحيح المتفق عليه « فبي ينطق وبي يعقل وبي يسمع وبي يبصر » وهذا مقام لا بدّ من العبور عليه في سلوك الطريق فأهل اللّه قد يجري على ألسنتهم في غلبات أحوال أنّهم الحق ، والمعنى أنّهم متحققون به فانون فيه ، غير أن مشايخ الطريقة قدس اللّه سرهم أجمعوا على أنه لا يجوز الاقتداء إلا بمستقيم قد تخلص من دوران الأحوال ، وذلك يشير إلى أنّ رتبة الوصول إلى التمكين شرط في صحة الإرشاد والمرشد إما سالك مجذوب أو مجذوب سالك ، فإنه المريد الصادق لو وضع وجوده تحت تصرف سالك أبتر أفسد عليه استعداد كمال الإنسانية ، فلا يبلغ مبلغ الرجال وأرباب الكمال ، وقالوا : مرتبة الإرشاد آخر مراتب البقاء الحقيقي بعد مجاوزة جميع مراتب الفناء ، فمقام الإرشاد أعلى مراتب القرب لأنّ المقرب قد يكون في مقام التلوين ، وقيل : مرتبة القرب الخاص موقوفة على فناء أوصاف البشرية الجسمانية والروحانية في النشأة الدنيوية والأخروية وأوّل درجات القرب الخاص ، والولاية الخاصة ما قالوا : الولي هو الفاني في حاله الباقي في مشاهدة الحق جل جلاله ، فيكون هذا الحديث الشريف قد أشار إلى سبب الولاية الخاصة مع الإشارة إلى حقيقتها ، وإن شئت أن أزيدك في معنى هذا الحديث فارجع إلى توسع في معنى الولاية الخاصة كالطبي أو غيره ، ويحتمل أنّ المراد من الحديث الحث على التقرب إلى اللّه تعالى بالنوافل بعد أداء الفرائض ليترقى فيستغرق في جناب قدسه بحيث أنّه لا يلاحظ شيئا إلا رأى اللّه فيه ، وذلك آخر درجات السالكين وأوّل درجات الواصلين .
قال الحيري : قوله : كنت سمعه الخ معناه كنت أسرع إلى قضاء حوائجه من سمعه في الاستماع ، وبصره في النظر ، ويده في البطش ، ورجله في المشي ، وقال بعضهم :
ذلك على طريق ضرب المثل أريد به التوفيق في الأعمال التي يباشرها العبد بهذه الأعضاء