تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نتائج الأفكار القدسية في بيان معاني شرح الرسالة القشيرية — صفحة 140

مساهمون:

ص١٤٠
شرح
أيضا أنّه قد علم من قوله صلى اللّه عليه وسلم : « لا يزال العبد يتقرب إليّ بالنوافل » إنّ التقرب قسمان فرضي ونفلي ، فالفرضي هو الإتيان بالفرائض ، والنفلي هو الإتيان بمجرّد النوافل ، وبهما معا ، وإنّ هذا الثالث هو المراد في الحديث المثمر للمحبوبية فمعنى الحديث « لا يزال العبد يتقرب إلى الحق بالنوافل » بعد أداء الفرائض كما ينبغي فإنّ مجرّد النوافل لا يفيد ولا يثمر إلا البعد عن الحق تعالى ، ويفهم ذلك من قوله : العبد لأنّه لا يكون عبدا إلا بعد أداء ما أوجب السيد عليه ، فالتقرب الفرضيّ وحده يثمر محبة العبد للحق ، والتقرب النفلي ، بعد الفرضيّ يثمر محبوبيته له ، فالفرضي وحده أكمل من النفليّ وحده بل لا كمال فيه وحده وكلاهما معا أكمل . ومن الفوائد المتعلقة بالحقائق أنّ هذا الكلام يتضمن الفناء بقوله : إذا أحببته كنت سمعه الخ ، والبقاء بقوله : فبي يسمع الخ ، وبيان ذلك أنّ النوافل هنا إشارة إلى الدنيا والعقبى ، ومراتب الكشوفات الفعلية والوصفية والإسمية لأنّ النافلة هي الزيادة في اللغة ، ولا شك أنّ اللّه تعالى خلق العبد لذاته كما قال لموسى : واصطنعتك لنفسي ، وفي الحديث « يا ابن آدم خلقت الأشياء لأجلك وخلفتك لأجلي » فالدنيا وما فيها نافلة بالنسبة للأخرى ، والآخرة وما فيها نافلة بالنسبة للمراتب الكشفية في التجليات الفعلية ، وهي نافلة بالنسبة للوصفية والإسمية ، وكلها نافلة بالنسبة للحضرة الهوية ، والذات الأحدية فهي المقصد الأسنى والمطلب الأعلى ، فما جاء شيء من الملك والملكوت والخلق والأمر إلا طفيليا لجنابه تعالى كما يشير إليه قول الخليل : إنّ صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي للّه رب العالمين ، فحاصل الحديث أنّ العبد ما أدّى مواجب العبودية من أداء الحقوق الشرعية إلا لتقربه للحضرة الأحدية بترك النظر عن نوافل الدنيا والعقبى ، ولذائذ المكاشفات ، وما وقف في برزخ من البرازخ حتى ينتهي إلى محبة ذاته والاستغراق فيه ، فهناك تحبه الحضرة الأحدية بالمحبة الذاتية التي يدل عليها لفظة أنا المضمر في أحببته الذي هو الاسم الأعظم المشير إلى خصوصية الذات كما أنّ نحن يشير إلى خصوصية الصفات ، فلا شركة لأحد في هذين الاسمين معه تعالى ، فبعد التجلي المذكور يفنيه عنه كلا وبقاء ، ويكون الحق حينئذ خلفه كما قال سيد الطائفة الجنيد قدّس اللّه سره : من كان في اللّه تلفه كان اللّه خلفه ، فهذا هو الفناء التام فأشار إليه بقوله : كنت سمعه الخ أي رجع سمعه إلى سمعي وبصره إلى بصري ، وتصرفاته إلى تصرفاتي ، كما قال وإليه المرجع والمآب ، وكان الحق تعالى حينئذ خلفه في ذاته وصفاته ، وهذا معنى قولهم : إذا تم الفقر فهو اللّه وأشار إلى البقاء بعد ذلك الفناء بقوله : فبي يسمع وبي يبصر ، فإنّ البقاء يترتب على الفناء التام من غير فصل كما تدل عليه الفاء التي للتعقيب من غير مهلة ، فقوله : كنت سمعه إفناء ، وقوله : فبي يسمع إبقاء ، فهو مثبت للوجود الثاني الذي هو الإنشاء الجديد كما قال :ثُمَّ أَنْشَأْناهُ خَلْقاً آخَرَ[ المؤمنون : 14 ] غير أنّ الباقي بذلك الوجود