شيء ويصفو به كل شيء ) لرضا العارف بحسن ما يختاره له مولاه ، فعنده بكرم اللّه ما يخلصه من كل كرب ويصفيه من كل كدر ، ( وسمعته ) أيضا ( يقول : سمعت أبا عثمان المغربيّ يقول : العارف ) باللّه ( تضيء له أنوار العلم فيبصر به ) أي بنور العلم ( عجائب الغيب ) لأنّه انتقل من أخلاقه الذميمة إلى الحميدة ، فلم يبق إلا نظره في العجائب والآيات ، فهو يتفرج في ملكه تعالى وملكوته ( سمعت الأستاذ أبا عليّ الدقاق رحمه اللّه يقول : العارف ) باللّه ( مستهلك ) أي غريق ( في بحار التحقيق ) إذ ليس له حال معين بل هو مصرف بما يرد عليه من آثار اللّه فهو في بحار المعرفة فتارة في بحار نعمه ، وتارة في بحار أفعاله ومقدوراته ، وتارة في بحار صفاته ، فهي بحار والمعارف فيها ( كما قال قائلهم : المعرفة أمواج تغط ) أي ( ترفع ) العارف بما يطلعه اللّه عليه تارة ( وتحط ) ه بالعجز والقهر ، ( وسئل يحيى بن معاذ عن العارف ) باللّه ( فقال ) مرّة : هو ( رجل كائن ) مع الخلق ببدنه ( بائن ) عنهم بقلبه ( ومنه قال : كان ) مع الخلق وعوائدهم ( فبان ) أي ففارقهم بشغله بربه . ( وقال ذو النون : علامة العارف )
شرح
رضاه بما يجريه من تصاريف أحكامه ، وقوله : ويصفو به كل شيء أي بسبب قوة التخلق بالمتابعة بقوى تأثيره فيما يقابله ويخالطه . ( قوله : تضيء له أنوار العلم الخ ) مراده بالعلم العلم الذوقي الذي هو ثمرة ونتيجة العمل على ما يوافق سنة سيد الكاملين عليه صلاة رب العالمين ، فالعلم الذوقي لا يتحقق إلا بعد التحلي بالسمعيات والعقليات والعمل بأحكام المتابعات وقوله : فيصبر به الخ أي تفكرا وتذكرا في عجائب الغيب بل قد يبصر بذلك تلك العجائب شهودا وعيانا واللّه أعلم . ( قوله : تضيء له أنوار العلم الخ ) أي لكونه قد قطع مدائن النفس وخرج منها إلى فضاء الشهود الذي هو من وظائف الروح ، ولذا تراه يبصر عجائب الغيب ، ثم ذلك من الأمور التي تضيق عنها العبارة ، وقد لا تبين عنها الإشارة ، ولكنه شيء يدرك من وراء الستارة ، فمن سرت لروحه هذه الأذواق ظهر عليه وفيه سرها ، وذلك من شيم العارفين وإنسان المحبين المحبوبين ومن لم يحصل له ذلك السريان فهو مسجون بمحيطاته الجسمانية وخصور في هيكل ذاته النفسانية يطلب الأعواض ويتبع الحظوظ والأغراض فتدبر .
( قوله : في بحار التحقيق ) المراد بها مظاهر أسماء اللّه تعالى وصفاته فهو فيها على حسب نور التجلي الوقتي . ( قوله : المعرفة أمواج الخ ) أي وذلك تابع لأنوار التجليّ الوقتي كما أسفلنا . ( قوله : ترفع وتحط ) أي وذلك من نعت العارف الذاتي له ، فإنّه دائما تتقلب عليه الأحوال بتبدل تجلي الجلال بالجمال ، وحينئذ يتيه بالدلال أو بالعكس فيهيم إلى عود الوصال .
( قوله : فقال مرّة الخ ) أي فقد عبر عن العارف باعتبار سني أحواله المختلف