النفوس ، ( وقال ذو النون : الزهاد ملوك الآخرة وهم فقراء العارفين ) لأنّ اللّه تعالى يعوضهم في الآخرة بدل ما زهدوا فيه ، ولا يبلغون فيها درجة العارفين فهم فقراؤهم بالنسبة لما منّ اللّه به على العارفين ، ( وسئل الجنيد عن العارف ) باللّه ( فقال : لون الماء لون إنائه يعني أنّه ) أي العارف لا حال له معين بل هو كالماء في الإناء يتغير لونه بحسب تغير الإناء فهو ( بحكم وقته ) الذي هو فيه ، فتارة بحكم القبض والإجلال ، وتارة بحكم البسط والجمال ، وتارة بحكم الدهش ، وتارة بحكم السرور وحسن النفس ، ( وسئل أبو يزيد عن العارف ) باللّه ( فقال : ) هو من ( لا يرى في نومه
شرح
القيامة » « 1 » ففي مثلهم قد ثبت هذا الخبر « وكفاهم شرفا » واللّه أعلم .
( قوله : فقال : لون الماء لون إنائه ) فيه دلالة على أنّ سائله لم يكن إلا صاحب عقد معين فأجابه بجواب كلي مفيد لكل معرفة باللّه ، فقد رقاه بجوابه إلى ما فوق معتقده فإنّ من كان على ما ذكرنا لا لون له فيظهر له الحق بحسبه كما هو تعالى في نفسه ، فحينئذ لا بقاء للعارف على حال لعدم سكونه إليه ، فهو مثل الماء يتلون بلون إنائه لكونه شفافا لطيفا ، قال صاحب الفصوص : سقى اللّه ثراه هذا الجواب سديد حيث أخبر عن الأمر بما هو عليه قال بعض شراحة في أثناء كلامه ، على هذا فإنّه إذا تعين الحق بوجوده وظهوره في تجليه ، فهو إنما يكون بحسب خصوص قابلية المتجلي له كما أشار إليه الأستاذ أبو القاسم الجنيد رضي اللّه تعالى عنه بقوله : لون الماء لون إنائه يعني ليس للحق صورة معينة فتميزه عن صورة أخرى كالماء لا لون له ، ولكن الماء يتلوّن بحسب لون إنائه فإن الحق لذاته يقتضي القبول لكل نعت ، والظهور بكل وصف بحسب الواصف ، والعالم والحاكم ، فإنّ كان العالم به صاحب اعتقاد خبري ظهر في معتقده بحسبه فهو بالنسبة إلى كل ذي اعتقاد على حكم معتقده ، ومن لم يتقيد في معرفته وشهوده له إحاطة بالجمع ، فذلك هو العارف الذي لا لون له . ( أقول : ) ويوضح هذا أنّ مدد العارف إنما هو النور وهو لون له بل إنما يتلوّن بلون زجاجاته واللّه أعلم ، وبكل شيء أحكم وسلم الأمر تسلم .
( قوله : يعني أنّه بحكم وقته ) أي بحسب التجلي الحاصل له فيه . ( قوله : فتارة بحكم القبض والإجلال ) أي والغالب عليه في هذه الحالة الهيبة بدل الخوف ، وقوله :
وتارة بحكم البسط والجمال أي والغالب عليه حينئذ الأدب بحسن المتابعة ليسد الكاملين ، وقوله : وتارة بحكم الدهش أي والغالب عليه السكون ، وقوله : وتارة بحكم السرور وحسن النفس أي والغالب عليه التواضع والحلم والرفق ولين الجانب .
( قوله : فقال : هو من لا يرى الخ ) أي وذلك لأنّه خرج من سجن نفسه إلى فضاء
هامش
( 1 ) أخرجه الزبيدي في ( اتحاف السادة المتقين 9 / 279 ) والعجلوني في ( كشف الخفاء 1 / 37 ، 2 / 133 ) والعراقي في ( المغني عن حمل الأسفار 4 / 192 ) والمتقي الهندي في ( كنز العمال 15682 ) .