العارفين أولى ، ولذلك قال بعضهم : لو أراد العارف ان يتكلم بما في قلبه لعجز عنه لسانه ، ( والعالم ) بأحكام اللّه علمه بها ( دون ما يقول : ) أي ما يقوله : من العلم بأحكام الآداب والحضرة مع اللّه لا يبلغه علمه السابق لأنّه عاجز عن أن يصل إلى ذلك بعلمه ، ( وقال أبو سليمان الداراني : إنّ اللّه تعالى يفتح للعارف ) باللّه ( وهو على فراشه ما لا يفتح لغيره وهو قائم يصلي ) لأنّ أحواله كلها مع اللّه ، فلا يغفل عنه في متقلبه ومثواه ، ( وقال الجنيد : العارف ) باللّه ( من نطق الحق ) تعالى ( عن سره ) بأن جعل أحواله الظاهرة التي أجراها عليه دالة ناطقة للخلق بعمارة باطنه وكمال حاله معه تعالى ( وهو ساكت ) لم ينطق ، ( وقال ذو النون : لكل شيء ) من المخلوقات ( عقوبة وعقوبة العارف انقطاعه عن ذكر اللّه تعالى ) لأنّ العارف به محب له ، ومن أحب شيئا
شرح
سماع غير أهله . ( قوله : والعالم بأحكام اللّه الخ ) أقول : والفرق حينئذ بينه وبين العارف أن حقيقة مشهد الإحسان تأبى إلا الكمال دون النقصان إذ هي طاهرة بوصف القدوسية للقدوس ، ظاهرة بذلك لأرباب الأرواح والعقول والنفوس ، شعر :ليس فيها من يقال له * كملت لو أن ذا كملا
كل شيء من محاسنها * كائن في نفسه مثلا( قوله : لأنّه عاجز الخ ) أي وسبب عجزه انحصار عقله في النقل والآداب اللازمة للحضرة لا تتناهى في عدد ولا تضبعا بشكل مع أنّ عجز العالم لحكمة التيسير ولرحمة اللطيف الخبير . ( قوله : إنّ اللّه تعالى يفتح الخ ) أي وذلك لأنّ كشف العيان بما يزيد على العرفان هو حضرة انقلاب الأعيان ، ألا ترى كيف شهد ذلك العارف كله بكليته ، وسمع وقت المناجاة بجميع أنيته :إذا ما بدت ليلى فكلي أعين * وإن هي ناجتني فكلي مسامعفالعارف هو من جمع الكمال وحصل المقال والحال :حال وقال يشهدان بأنّه * حاز الكمال بكل معنى أنفسوالحاصل أنّ الفتح للعارف هو جذب قلبه إلى التذكر والتفكر في مصنوعات القديم جل شأنه وعز علاه .
( قوله : من نطق الحق تعالى عن سره ) أي وأمارة ذلك موافقة ما نطق به لعلم المتابعة وتأثر السامع بما يبدو منه لخروجه من صميم القلب مخلصا به عن الحق ، وقوله : وهو ساكت لم ينطق أي فأنوار باطنة مشرفة على صفحات ظاهره ناطقة بأنّه من المقربين ومن عباد اللّه المحبين المحبوبين .
( قوله : انقطاعه عن ذكر اللّه تعالى ) أي غفلته عن مراقبته تعالى وقتا ما من الأوقات ، وعن ذكره بلسانه ، فعلم من ذلك أنّ ذنوبهم الفترات وحجبهم الغفلات .