به لأنّ علم العبد بجلاله تعالى وسطوته يوجب الهيبة منه ، وعلمه بنظر الحق إليه في سائر أحواله يوجب الحياء منه ، وعلمه بتوالي نعمه عليه ودوام مناجاته له يوجب الأنس به ، ( وسمعته ) أيضا ( يقول : سمعت محمد بن عبد اللّه بن شاذان يقول :
سمعت يوسف بن الحسين يقول : قيل لذي النون : بم عرفت ربك فقال : عرفت ربي بربي ولولا ربي لما عرفت ربي ) إذ لا قدرة للعبد على تحصيل مقام من معرفة ومحبة وغيرهما إلا بفضل ربه وعونه ، فمن عرف اللّه به فهو العارف ، ومن عرفه بالتقليد فهو عاميّ ، ومن عرفه بالدليل فهو متكلم ، ( وقيل : العالم يقتدى به والعارف يهدى به ) بناء على طريقتهم ، من الفرق بين العالم والعارف بأنّ العالم من يدرك الأحكام فيقتدى به في العمل بها ، والعارف من غلب على قلبه شغله بمولاه فيهتدى به وبرؤيته لظهور النعم ومواهب اللّه عليه ، ( وقال الشبلي : العارف ) باللّه لكونه دائم الشغل به عمن سواه وعالما بأنّه لا حافظ له ولا مالك إلا إياه ( لا يكون لغيره ) تعالى
شرح
مخفيا فأردت أن أعرف فخلقت خلقا في عرفوني » « 1 » فقوله فيه : كنت كنزا إشارة إلى مقام الأحدية له تعالى المعبر عنه بالعماء الذي ما فوقه هواء ولا تحته هواء ، وقوله : فأردت الخ إشارة إلى مقام الواحدية الذي هو التجلي الأوّل ، فحينئذ المعنى فيما ذكره هذا العارف أنّه لولا إرادته تعالى التابعة لعلمه القديم ما عرفته ، فلما تعرف لي فقد عرفته ، إن قلت : هو في ذلك كغيره من الخلق قلت : الفرق ملاحظة ذلك ، وقصده منه دون غيره ، وبالجملة فمشهد هذا العارف التبري من الحول والقوّة حيث اعترف بأنّه لولا إعانة ربه على معرفته لما سهلت عليه معرفته فتأمل .
( قوله : فمن عرف اللّه به فهو العارف ) أي فمن عرف اللّه تعالى بالأدلة العقلية والسمعية مع سبق العناية له فهو العارف على الحقيقة . ( قوله : بأنّ العالم من يدرك الأحكام ) محصل الفرق وجود المعنى والسر الجاذب في العارف بواسطة زيادة أنوار باطنه دون العالم وإن كثر علمه إذ هو مشتت غير مجموع .
( قوله : وبرؤيته لظهور النعم الخ ) أي لأنّ أنوار الباطن تلوح على صفحات الوجه الظاهر وإن كان العارف صامتا أخرس .
( قوله : العارف باللّه ) أي الذي هو من إقامة الحق تعالى في مقام أحديته ، وقوله : لا يكون لغيره أي لأنّه لا غير عنده في هذا المقام ومني عليك السلام . ( قوله : العارف أنس بذكر اللّه ) أي بعد أن تحقق أنّه لا نافع ولا ضار غيره ، ولا فاعل لشيء سواه . ( قوله :
هامش
( 1 ) أخرجه السيوطي الحلبي في ( الدرر المنتثرة في الأحاديث المشتهرة 126 ) وعلي القاري في ( الأسرار المرفوعة 273 ) والفتني في ( تذكرة الموضوعات 11 ) و ( صاحب أحاديث القصاص 3 ) .