إليه ( طيار ) أي سريع الرجوع إليه لعدم الشواغل والآفات لاستغراقه في شغله باللّه ( والزاهد ) في سيره إلى اللّه ( سيار ) إليه لأنّ آفاته لم تنقطع عنه بالكلية وإنما انقطع عنه آفة الدنيا دون آفتي الشيطان والنفس ، ( وقيل : العارف ) باللّه ( تبكي عينه ) تارة لكمال الأدب وعدم صلاحيته عنده لما وهب له ، وتارة خوفا من أن يبعد ويحجب ، ( ويضحك قلبه ) لما توالى عليه من النعم والفوائد ، ( وقال الجنيد : لا يكون العارف عارفا حتى يكون كالأرض ) في أنّه ( يطؤه ) وفي نسخة يطؤها ( البر والفاجر ) فيتذلل لمولاه ويتواضع له ولخلقه ( وكالسحاب يظل كل شيء ) فينفع العارف كل أحد حبيبا أو بغيضا قريبا أو بعيدا ( وكالمطر يسقي ما لا يحب ) كالسبخة ( وما يحب ) كغيرها فينفع العارف العاصي والمطيع ، ( وقال يحيى بن معاذ : يخرج العارف من الدنيا ولا يقضي وطره ) أي غرضه ( من شيئين ) أحدهما ( بكاؤه على نفسه ) لما يعرفه من تقصيرها وسوء أدبها في عبادتها ( و ) ثانيهما ( ثناؤه ) على ربه لما يواليه على قلبه من النعم والفوائد ، ( وقال أبو يزيد : إنما نالوا المعرفة بتضييع مالهم ) وهو ما أبيح لهم
شرح
كان سائرا إلى اللّه تعالى من المريدين . ( قوله : طيار الخ ) أفاد أنّ العارف أرقى من الزاهد الذي لم تكمل له المعرفة . ( قوله : تبكي عينه الخ ) أي فهو لا يبقى على حال واحد بل كائن بين الفرح والحزن يتقلب بينهما ، فلا يحكم عليه بحكم واحد منهما .
( قوله : حتى يكون كالأرض ) أي بعد فنائه عن نفسه ، فالتواضع الحقيقيّ لا يكون إلا كذلك وإلا كان خروجا عن النفس بها وبالفناء عنها يكون خروجه عنها بالحق فافهم ، واعلم أنّه لا يتم له هذا المقام إلا إذا شهد أنّه دون ذلك إذ لو رأى تواضعه فقد أثبت له منزلة تنازل عنها ، وحقيقته تأبى ذلك ، فالتواضع أن لا يرى لنفسه قدرا بل كلما وضعها في شيء من أنواع الذل تحقق أنّها مستحقة لما دونه لما هي موصوفة به من النقص تأصيلا وتفصيلا ، والحاصل أنّ حقيقة التواضع بشهود عظمة الحق جل جلاله قال في عوارف المعارف : اعلم أنّ العبد لا يبلغ حقيقة التواضع إلا عند لمعان نور المشاهدة في قلبه ، فعند ذلك تذوب النفس ، وفي ذوبانها صفاؤها من غش الكبر والعجب فتلين وتطيع وتنقاد للحق بمحو آثارها ، وسكون رهجها وغبارها اه .
( وأقول : ) فالناس ثلاثة : رجل رأى قبيح فعله ولم ير لنفسه قدرا ، ورجل شهد قبيح وصفه فلم يشهد لنفسه نسبة ، ورجل شاهد عظمة ربه فنسي كل شيء به ، وهذا أتم الوجوه وأحسنها واللّه أعلم . ( قوله : يخرج العارف من الدنيا الخ ) محصله أنّ من أمارات العارف دوامه على شهود التقصير ، ودوامه على الثناء لمولي النعم جل شأنه . ( قوله : لما يعرفه من تقصيرها ) أي وإن كان من قبيل حسنات الأبرار سيئات المقربين . ( قوله :
بتضييع مالهم ) أي زهدا فيه ورغبة فيما وعدهم الحق تعالى ، وقوله والوقوف مع ماله أي