ما ذكره هو المراد بقولهم : العارف من لا يطفئ نور معرفته نور ورعه أي بل يأتي بجميع ما أمر به . ( قيل لأبي يزيد : بم وجدت ) أي نلت ( هذه المعرفة فقال : ببطن جائع وبدن عار ) يعني باجتهادي في العلم والعمل من غير التفاتي إلى جوع أو برد ، وكأنه أورده في معرض تأديب من يزعم أنّه يسلك طريق المعرفة ، وهو مقيم على ما يترفه به من مطعم وملبس ، ( وقال أبو يعقوب النهرجوريّ : قلت لأبي يعقوب السوسيّ : هل يتأسف العارف ) الكامل أي يتلهف ويحزن حزنا شديدا ( على ) فوات ( شيء غير اللّه فقال : وهل يرى غيره فيتأسف عليه ) لا فإنّه إذا غلب على قلب رؤية معروفه واستغناؤه به لا يجد ما يتأسف على فواته ( قلت ) له : ( فبأي عين ينظر ) العارف ( إلى الأشياء فقال ) لي : ينظر إليها ( بعين الفناء والزوال ) لأنّ مصيرها إليهما أما من لم تكمل معرفته بأن كان مستغنيا بمن يوصله إليها من العارفين فيتأسف على فواته ويحب دوام انتفاعه به في وصوله إلى محبوبه ، ويراه لأجل ذلك ، فما أحبه ورآه إلا من حيث كونه وسيلة لنيل مقصوده ، ( وقال أبو يزيد العارف : ) باللّه في سيره
شرح
أي عن أمره ونهيه ) أي وذلك لا يقبل التغيير والتبديل حيث لم يغي كل منهما بغاية من وصول أو غيره . ( قوله : من لا يطفئ نور معرفته نور ورعه ) يقرأ برفع نور الأوّل ونصب نور الثاني على أنّ الأول فاعل ليطفىء ، والثاني مفعوله كما هو ظاهر .
( قوله : فقال : ببطن جائع الخ ) يريد أنّه إنما أدرك ذلك بترك مألوف النفس وذلك مثل ما قاله أبو الحسن رحمه اللّه : أعظم القربات عند اللّه مفارقة النفس لقطع إرادتها وطلب التخلص منها بترك ما تهوى لما يرجى من حياتها وإنّ من أشقى الناس من يحب أن يعامله الناس بكل ما يريد ، وهو لا يجد من نفسه بعض ما يريد .
( قوله : وكأنه أورده الخ ) أي فأشار إلى أنّه لا سبيل إلى الوصول إلا بالخروج عن سائر المألوفات وشهوات النفس . ( قوله : فقال : وهل يرى غيره ) أي ولذلك قيل : ما فقد شيئا من وجد اللّه ، وما وجد شيئا من فقد اللّه فحال الأوّل حال من وقته صفا وذهب عنه الجفا وحل حضرات الوفاء مع أهل القرب والاصطفاء فهم رضي اللّه عنهم لهم حنين إلى المحبوب ، وزفرات بها القلب يذوب ، ومدامع لولاها لأحرقتهم نيران الاشتياق ، ولهيب وجد به منعت الدموع أهلها الإغراق :لولا مدامع عشاق ولوعتهم * لبان في الناس عز الماء والنار
فكل نار فمن أنفاسهم قدحت * وكل ماء فمن دمع لهم جاري( قوله : أما من لم تكمل معرفته ) أي مثل علماء الظاهر السالفين لا كأهل زماننا عفا اللّه عنا وعنهم أجمعين . ( قوله : فيتأسف على فواته ) أي وذلك من الأخلاق الحسنة لمن