أحمد بن سهل يقول : سمعت سعيد بن عثمان يقول : سمعت ذا النون يقول : أعرف الناس باللّه أشدهم تحيرا فيه ) هذا يرجع إلى قول الصدّيق : سبحان من لم يجعل إلى خلقه سبيلا إلى معرفته إلا بالعجز عن معرفته ، فغاية معرفتهم وصولهم إلى الحدّ الذي جعل لهم إدراكه ، ومعرفتهم بعجزهم عما لم يجعل إليه سبيلا ، ( وسمعته ) أيضا ( يقول : سمعت أبا بكر الرازي يقول : سمعت أبا عمر الأنطاكيّ يقول : قال رجل للجنيد من أهل المعرفة أقوام يقولون : بترك الحركات ) أي الأعمال التي ( من باب البر والتقوى ) كالصلاة والصوم لأنّهم زعموا بضلالهم أنّهم إنما يحتاجون إليها ليصلوا بها إلى اللّه ، وإلى أن يغلب على قلوبهم ذكره ومناجاته والأنس به ، وقد وصلوا ( فقال ) له ( الجنيد : إنّ هذا قول قوم تكلموا بإسقاط الأعمال ) المتعبد بها ( وهو عندي ) أمر ( عظيم ) في الضلال ( والذي يسرق ويزني أحسن حالا من الذي يقول : هذا ) القول ( فإنّ ) كلا من السارق والزاني يعلم أنّه مخطىء شرعا ويرجو له التوبة من ذلك ، وهؤلاء يظنون أنّهم في أعلى الطاعات ، ولا ينتقلون عما هم عليه أصلا ولأنّ ( العارفين باللّه أخذوا الأعمال عن اللّه تعالى ) أي عن أمره ونهيه ( وإلى اللّه رجعوا فيها ) أي استعانوا به على القيام بها قال : ( ولو بقيت ألف عام لم أنقص من أعمال البرّ ذرة )
شرح
عنها . ( قوله : أشدهم تحيرا فيه ) أي فنهاية وجدان العارف ، ورود وارد المعارف مناغية له بحديث حبيبه ومشهوده في حضرة وصاله وشهوده :وأميل نحو محدثي ليرى * أني أعرت حديثه عقلي
وشغلت عن فهم الحديث سوى * ما كان فيك فإنّه شغليفهو وإن توارى عنه المحبوب في بعض الزمان عن مطالعة العيان فقد تراءى له في الجنان :لئن كنت عني في العيان مغيبا * فما أنت عن قلبي وسري بغائب
إذا اشتاقت العينان منك لنظرة * تجليت لي في القلب من كل جانب( قوله : أشدهم تحيرا فيه ) أي وتحيرهم إنما هو في عجزهم عما لم ينالوه من المعرفة .
( قوله : وسمعته أيضا يقول : الخ ) تقدم له هذا فلا تغفل . ( قوله : وقد وصلوا ) أي وصلوا بزعمهم إلى مقام المحبة فاستغنوا عن الأخذ في الأسباب ، وذلك ضلال عظيم .
( قوله : وهو عندي أمر عظيم ) أي لما يلزمه من إنكار أحكام الشريعة التي هي معلومة من الدين بالضرورة ، وذلك يوجب الكفر والخلود في النار . ( قوله : ويرجو له التوبة الخ ) أي بل يؤمل العفو منه تعالى وإن لم يتب من ذنبه بخلاف مثل هؤلاء . ( قوله :