فمن عرفه وأجله لم يهب غيره وصبر على ما يرد عليه منه . ( سمعت الشيخ أبا عبد الرحمن السلميّ رحمه اللّه يقول : سمعت أحمد بن محمد بن زيد يقول : سمعت الشبليّ يقول : ليس لعارف ) باللّه ( علاقة ) أي حظ في غيره ( ولا لمحب ) له ولا لما يرد عليه منه ( شكوى ) لأنّ ما يرد عليه من محبوبه رضاه فكيف يشكوه لسواه ( ولا لعبد ) له ( دعوى ) لأنّه لا يملك شيئا ، فكيف يدعي لنفسه ما ليس ملكا له ( ولا لخائف ) منه ( قرار ) ولا اهتداء حتى ينال ما يخاف فوته ويأمن ما يخاف ضرره ( ولا لأحد من اللّه عز وجل فرار ) لأنّ الخلق في قبضته . ( وسمعته ) أيضا ( يقول : سمعت محمد بن محمد بن عبد الوهاب يقول : سمعت الشبليّ يقول : وقد سئل عن المعرفة فقال : ) هو زائد ( أوّلها اللّه ) أي ذكره باللسان والقلب ( وآخرها ما لا نهاية له ) بأن
شرح
عنها الخشية لأنها تحجز عن المعاصي وتدعو إلى المحاسن ، وفقدها ينفي ذلك ولا سيما مع العلم المؤيد بالتأويل ، ولذا قيل : من تفقه ولم يتصوّف فقد تفسق وتوجب التحقيق في التحصيل والنصح في التوصل والإنصاف في المذاكرة ، وفقدها ينفي ذلك والخشية أيضا تحمل على طلب الآخرة والإخلاص له تعالى في العمل .
( قوله : فمن عرفه وأجله لم يهب غيره ) أي بل الغير هو الذي يهابه . ( قوله : ليس لعارف باللّه علاقة ) أي ليس لمن عرف اللّه حق معرفته تعلق قلبي بغيره من الكائنات الدنيوية والأخروية ، قال الشيخ أبو الحسن الشاذليّ رضي اللّه تعالى عنه : لا تنشر علمك ليصدقك الناس وانشر علمك ليصدقك اللّه ، وإن كانت لام العلة موجودة فعلة تكون بينك وبين اللّه من حيث أمرك خير من علة تكون بينك وبين الناس من حيث نهاك عنها ولعلة تردك إلى اللّه خير من علة تقطعك عن اللّه .
( قوله : ولا لمحب الخ ) أي لأنّ كل ما يصدر عن المحبوب محبوب وحينئذ فلا وجه للشكوى ، وما ألطف قول بعضهم :وقف الهوى بي حيث أنت فليس لي * متأخر عنه ولا متقدّم
أجد الملامة في هواك لذيذة * طربا لذكرك فليلمني اللّوم( قوله : ولا لعبد له دعوى ) أي لأن العبد لا يملك وإن ملكه سيده . ( قوله : ولا لخائف منه قرار ) أي سكون وطمأنينة بل يكون دائم الاضطراب والقلق والهروب إليه تعالى . ( قوله : ولا لخائف منه قرار ) أي بمطالعة قوله جل علاه :مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ[ البقرة : 255 ] وبدلالة « من يهد اللّه فهو المهتدي » . ( قوله : ولا لأحد من اللّه عز وجل فرار ) أي لأنّ مرجع الكائنات ومصيرهم إليه تعالى فلا مفر منه إلا إليه . ( قوله :
أولها اللّه ) أقول : وكفى باللّه عالما ومعلما وهاديا ونصيرا ووليا يهديك ويهدي بك ويهدي إليك ، وينصرك وينصر بك ولا ينصر عليك ، ويواليك ويوالي بك ولا يوالي عليك .