ذكره قبيل باب كرامات الأولياء ( فشهق شهقة ) أي صاح صيحة ( ومات ) ، في ذلك إشارة إلى أنّ هذا الشاب كان كثير الذكر للّه تعالى والمراقبة له يتمنى أن يراه ، فلما سمع هذا البيت وصادف ما بقلبه وما هو متعلق الهمة بحصوله فرح وقويت رغبته شوقا إلى رؤية ربه فشهق شهقه فمات ووصل إلى محبوبه . ( وقيل : دخل جماعة على ممشاد الدينوريّ في مرضه فقالوا ) له لما يعرفونه من صلاحه وكثرة اشتغاله بربه : أبشر بكذا وكذا من الجنة وغيرها فقد ( فعل اللّه بك وصنع ) أي أعد لك ذلك ، وفي نسخة ما فعل اللّه بك وصنع فأجابهم بأنّه مشغول بربه دون الجنة وغيرها ( فقال : ) أنا ( منذ ثلاثين سنة تعرض عليّ الجنة بما فيها فما أعرتها طرفي ) أي بصري أي ما التقت إليها يعني لم أعمل للجزاء وإن كان لا بدّ منه ، وإنما عملت امتثالا لأمر ربي ونهيه وكمال محبته لي ( وقالوا له عند النزع : كيف تجد قلبك ) والقلب إنما يصلح بالانتقال من الأخلاق الذميمة إلى الحميدة من الصبر والزهد والتوكل والرضا ونحوها ( فقال : منذ ثلاثين سنة فقدت قلبي ) لما منّ اللّه عليّ من كمال شغلي به عنه فأعرضت عنه وعن كل ما يشغلني عن اللّه . ( سمعت محمد بن أحمد بن محمد الصوفيّ ) رحمه اللّه ( يقول : سمعت عبد اللّه بن علي التميميّ يقول : قال الوجيهيّ :
كان سبب موت ابن بنان أنّه ورد على قلبه شيء ) من محبته لمولاه ( فهام على وجهه فلحقوه في وسط متاهة ) أي تيه ( بني إسرائيل في الرمل ففتح عينيه وقال ) لنفسه :
( ارتع ) بالتاء الفوقية : أي تنعم وتلذذ فقد وجدت مرادك من لقاء ربك ( فهذا مرتع الأحباب وخرجت روحه ) رحمه اللّه . ( وقال أبو يعقوب النهرجوريّ : كنت بمكة حرسها اللّه تعالى فجاءني فقير معه دينار فقال : إذا كان غدا فأنا أموت فأصلح لي بنصف هذا ) الدينار ( قبرا والنصف الثاني ) اجعله ( لجهازي ) أي لبقيته ( فقلت في نفسي دوخل الشاب ) أي خولط في عقله ( فإنّه قد أصابته فاقة الحجاز ) فأخذت منه الدينار لأنظر ما الذي يكون منه ( فلما كان الغد جاء ودخل الطواف ثم ) بعد فراغه منه ( مضى وامتدّ على الأرض فقلت : هو ذا يتماوت ) أي يتشبه بالموتى في رقادهم فذهبت إليه ) لما طال أمره ولم يقم ( فحركته فإذا هو ميت ) على أحسن أحواله ( فدفنته )
شرح
حسب لعين الخ أي ما يكفيها أن تشهد أهل الشهود والحضور له تعالى . ( قوله : فما أعرتها طرفي ) أي تحقيقا لمقام الإخلاص والصدق فيه .
( قوله : فقدت قلبي ) أي فقدت ميله إلى الحظوظ بدون شاهد علم النقل واللّه أعلم .
( قوله : فقال لنفسه : إرتع ) هو من رتعت الدابة أكلت ما شاءت من الكلأ . ( قوله :
هذا من خوارق العوائد ) أي ومما استثنى مما استأثر اللّه بعلمه .