تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نتائج الأفكار القدسية في بيان معاني شرح الرسالة القشيرية — صفحة 89

مساهمون:

ص٨٩
والميل ( إلى الحق ) تعالى ( مع وقوفك عليها ) أي على الأسباب واشتغالك بها ، فاعتمادك يكون على ربك وإن تعاطيتها . ( سمعت أبا حاتم السجستانيّ رحمه اللّه يقول : سمعت أبا نصر السراج يقول : شرط التوكل ما قاله أبو تراب النخشبي : وهو طرح البدن في ) أحكام ( العبودية ، وتعلق القلب بالربوبية ، والطمأنينة إلى الكفاية ) من اللّه لأنّه تعالى وعد بها بقوله :
وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ
[ الطلاق : 3 ] أي كافيه كما مر ، ( فإن أعطي ) شيئا منها ( شكر ، وإنّ منع صبر وكما قال ذو النون ) المصري : ( التوكل ترك تدبير النفس والانخلاع ) أي التبري ( من الحول والقوّة وإنما يقوى العبد على التوكل إذا علم أنّ الحق سبحانه يعلم ويرى ) جميع ( ما هو فيه . سمعت محمد بن الحسين يقول : سمعت أبا الفرج الورثاني يقول : سمعت أحمد بن محمد القرمسيني يقول : سمعت الكتاني يقول : سمعت أبا جعفر بن أبي الفرج يقول : رأيت رجلا يعرف بجمل عائشة مع الشطار يضرب بالسياط ، فقلت له : أي وقت يكون ألم الضرب عليكم ) أيها الشطار ( أسهل فقال : إذا كان من ضربنا لأجله يرانا ) لأنّ العبد إذا رأى أنّه لا يفعل به إلا ما هو صلاح له قوي نشاطه لتحمل المشاق وصبره عليها
شرح
( قوله : وهو طرح البدن في أحكام العبودية ) أي وذلك يتحقق بالتسليم والرضا بأحكام الحكيم لاءمت النفس أم لم تلائمها ، وبما ذكر يتم له التخلق بحق عبوديته للبارىء تعالى . ( قوله : وتعلق القلب بالربوبية ) أي بأن يدوم على مراقبة اللّه تعالى في كامل حركاته وسكناته . ( قوله : والطمأنينة إلى الكفاية الخ ) أقول : ذلك بالنسبة للمريد وإلا فالعارف المحقق قوته الذكر ، وحياته الفكر ، فلا التفات له إلى غير ذلك . ( قوله : فإن أعطي شكر الخ ) أقول : وذلك من أخلاق المريدين وإلا فالكاملون نعتهم أنهم إذا أعطوا آثروا ، وإن منعوا شكروا لأنهم يعدّون البلاء من النعم ، والعطاء من النقم . ( قوله : التوكل ترك تدبير النفس الخ ) أقول : ذلك جار على ما قدمنا من تعاطي الأسباب مع تعلق القلب باللّه تعالى لا بها ، والاعتماد عليه لا عليها . ( قوله : ترك تدبير الخ ) أي على معنى السكون إلى ذلك ، وإلا فالتدبير مندوب إليه يذوق خبر : « التدبير نصف المعيشة » ، فحينئذ المذموم من التدبير هو المجرد عن التفويض للحق تعالى ، وأما المصحوب به فهو عين المتابعة . ( قوله : وإنما يقوى العبد على التوكل ) أي على التحقق بوصفه إذا علم أنّ الحق سبحانه يعلم ويرى جميع ما هو فيه أي وكون ذلك يحقق له حقيقة التوكل لأنّه حيث تحقق له إحاطة علمه تعالى به يثبت قلبه ، ويفوّض أمره ليقين أنّ الحق لم يترك شيئا هملا ، ولا يفعل شيئا سدى بل لحكمة علية ، وأسرار إلهية قد يغيب علمها ، ويدق فهمها . ( قوله : فقال : إذا كان الخ ) محصله شهود أنّ ذلك لمصلحة التأديب لحكمة مصلحة النفس .
نتائج الأفكار القدسية في بيان معاني شرح الرسالة القشيرية — صفحة 89 | الشيخ عبد الله العروسي / عبد الوارث محمد على