أنّ التقدير ) للأشياء ( من قبل اللّه تعالى ) وسيأتي بيانه ( فإن تعسّر شيء ) على عبده ( فبتقديره ) تعالى يحصل بسهولة ( وإنّ اتفق شيء ) ويسر ( فبتيسيره ) عز وجل . ( أخبرنا عليّ بن أحمد بن عبدان قال : أخبرنا أحمد بن عبيد البصريّ قال : حدثنا غيلان بن عبد الصمد قال : حدثنا إسماعيل بن مسعود الجحدريّ قال : حدثنا خالد بن يحيى قال : حدثني عمي المغيرة بن أبي قرة عن أنس بن مالك قال : جاء رجل على ناقة له فقال : يا رسول اللّه أدعها ) أي اتركها ( وأتوكل فقال ) عليه الصلاة والسلام : « اعقلها وتوكل » فيه دلالة على أنّ التسبب لكونه فعل الجارحة لا ينافي التوكل لكونه فعل القلب بل قد يجب التسبب . ( وقال إبراهيم الخواص : من صح توكله ) على اللّه ( في نفسه صح توكله ) عليه ( في غيره ) لأنّ العبد إذا عرف عجزه ، وإنّ أفعاله كلها مخلوقة للّه اطرد له ذلك في سائر الخلق لأنهم مثله في العجز والخلقة .
( وقال بشر الحافي : يقول أحدهم : توكلت على اللّه تعالى و ) هو ( يكذب على اللّه تعالى ) إذ ( لو توكل على اللّه لرضي بما يفعل اللّه به ) لأن الرضا بذلك من ثمرات التوكل
شرح
الفاعل المختار . ( قوله : فإنّ تعّسر شيء فبتقديره ) أي بقضائه وقدره ، ومن ذلك ما قيل :ما لا يكون فلا يكون بحيلة * أبدا وما هو كائن سيكون
يسعى الذكي فلا ينال بسعيه * حظا ويحظى عاجز ومهين( قوله : جاء رجل ) أي أعرابي كما ثبتت بذلك الرواية . ( قوله : « اعقلها وتوكل » ) أي قالتدبير الذي هو تقدير شؤون تكون في المستقبل مما يخاف أو يرجى إذا كان مصحوبا بالتفويض لم يكن من التدبير المنهي عنه ، وهو كذلك عند أهل الحق ، وإن أطلق عليه اسم التدبير فهو مجاز بخلافه بحكم النفس ، والعقل ، والهوى فافهم .
( قوله : فيه دلالة على أنّ التسبب الخ ) أقول : في ذلك إشارة إلى أنّ الذي ينبغي للعبد الموفق أن يقف مع السبب بظاهر الجوارح امتثالا ، ويخلص باطنه إلى التفويض اعتمادا على أنّ اللّه تعالى هو الفاعل المختار لما يريد فيكون حينئذ مسلما ومؤمنا واللّه الموفق . ( قوله : من صح توكله على اللّه في نفسه ) أي ذاته بأن اعتمد على اللّه تعالى ، وفوّض أمر صلاحها إليه بسبب علمه بالعجز والقصور عن جلب ما ينفعه ، ودفع ما يؤلمها صح توكله عليه في غيرها من سائر الخلق إذ هم مثله في العجز والقصور ، فإذا ثبت قلبه على ذلك لم يثق ، بغيره تعالى ، فيلزم أن يفوض أمره إليه .
( قوله : لأنّ العبد الخ ) محصله يعلم مما أوضحناه قبله . ( قوله : وقال بشر الحافي الخ ) مراده الحث على التخلق الباطني بالكمالات كالظاهري بأن يكون باطن الإنسان كظاهره في الأخلاق الشريفة ، وذلك أقل درجات الكمال وأعلاها زيادة حال الباطن بالنسبة للظاهر .