جهة لا في النعيم ، ولا في العذاب ، فلا يليق بك تمييز ولا اختيار ، وذكر نعيم الجنة ، وعذاب الآخرة لأنهما أشدّ من غيرهما ، وإلا فليسا بمرادين بل المراد مطلق النعيم ، والعذاب ، وهذا كما فعل بإبراهيم الخليل عليه السلام ، وأبي مسلم الخولانيّ ، فقد كان دخولهما في النار رحمة وشرفا لهما يذكران به في الدارين ، وذلك بعدم اختيارهما لنفسهما شيئا .
( و ) لهذا ( قال سهل بن عبد اللّه ) التستري : ( أوّل مقام في التوكل أن يكون العبد بين يدي اللّه تعالى كالميت بين يدي الغاسل بقلبه كيف أراد لا يكون له حركة ولا تدبير ) لأنّ من وثق بكريم ، واعتمد عليه سكنت نفسه له ، وكان معه كالميت لا حياة به ، ولا حركة ، واستراح قلبه من هم التقدير والاختيار إلا ما أمره به ربه ونهاه عنه ، ( وقال حمدون ) القصار : ( التوكل هو الاعتصام باللّه تعالى ) أي الاعتماد عليه .
( سمعت محمد بن الحسين يقول : سمعت أبا بكر محمد بن أحمد البلخيّ يقول :
سمعت محمد بن حامد يقول : سمعت أحمد بن خضرويه يقول : قال رجل لحاتم الأصم : ) عن شك في مجرى أسباب الرزق أو غفلة عنه ( من أين تأكل فقال :
وَلِلَّهِ خَزائِنُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلكِنَّ الْمُنافِقِينَ لا يَفْقَهُونَ
[ المنافقون : 7 ] ، واعلم أنّ التوكل محله القلب والحركة بالظاهر ) وهي السبب ( لا تنافي توكل القلب بعد ما تحقق العبد
شرح
في مراد الحق سبحانه وتعالى . ( قوله : أوّل مقام في التوكل الخ ) أقول : ومما يسهل للإنسان مثل هذا التخلق علمه بعجزه عن تبديل رزقه كعجزه عن تغيير خلقه ، وله الإشارة بقوله سبحانه وتعالى :اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ[ الروم : 40 ] فإنّه قد أضاف هذه الأفعال إلى نفسه خاصة ، فلا يقدر أحد غيره على شيء منها ، وتفكره في قول الحسن : العز والغنى يجولان في طلب التوكل ، فإذا ظفرا به أوطنا ، فمن قصر نظره عليه تعالى أدرك العز واستغنى عن سائر الخلق .
( قوله : أن يكون العبد الخ ) إن قلت : هذا يعارض طلب التدبير في القربات وأنواع الطاعات ، قلت : لا معارضة لأنّ المرجع إلى تدبير اللّه وأمره لا إلى اختيار العبد وغرضه ، واعلم أنّ أعلى التوكل طلب التخلص من الوقوف مع التوكل . ( قوله : كالميت بين يدي الغاسل الخ ) أي ويدل لذلك قوله صلى اللّه عليه وسلم : « إنّ اللّه تعالى جعل الروح والراحة في الرضا واليقين » وقيل ، للّه على الناس ثلاثة : اتباع نبيه ، والتوكل عليه ، والصبر على ذلك إلى الموت فمن لم يتبع فمبتدع ، ومن لم يتوكل فمدبر ، ومن لم يصبر فمنازع » . ( قوله :
من أين تأكل ) أي كيف سلوك سبيله مع ربط الأسباب والمسببات جهلا منه بأن اللّه هو الخالق لكل شيء ، والقادر على الربط والفك .
( قوله : والحركة بالظاهر ) أي بقصد الامتثال لا تنافي التوكل أي بشهود أنّ اللّه هو