راحمينا ) فيه دلالة على أنّ الحاسد لا رحمة له على غيره إلا على من ابتلي ببلاء عظيم لكونه حينئذ لا يراه في نعمة ، إذ الحاسد لا يرحم من هو في نعمة بل يتمنى زوالها عنه . ( وأنشدوا ) أيضا ( كل العداوة قد ترجى إماتتها ) . وفي نسخة مودتها ( إلا عداوة من عاداك من حسد ) لما مرّ قبيل الباب السابق ( وقال ابن المعتز : قل للحسود إذا تنفس ) تنفس المكروب ( طعنة ) . أي رزقك اللّه طعنة في قلبك ( يا ظالما ، وكأنه مظلوم ) فهو ظالم في صورة مظلوم كما مرّ ( وأنشدوا ) أيضا ( وإذا أراد اللّه نشر فضيلة .
طويت ) أي سترت بأن سترها صاحبها عن غيره ( أتاح ) أي قدر ( لها لسان حسود ) ينشرها ويظهرها قصدا لإزالتها لأنّ الحاسد لا يزال يذكر نعم المحسود ليتم له الحسد لأنّه لا يكون إلا في النعم ( ومن الأخلاق المذمومة للنفس اعتياد الغيبة ) واللّه أعلم .
شرح
ذرة من كبر » وقال : « حسب امرئ من الشر أن يحتقر أخاه المسلم » « 1 » وقال : « الغضب يفسد الإيمان كما يفسد الصبر العسل » « 2 » وقال : « البخيل بعيد من اللّه » « 3 » الحديث ، وقال : « اتقوا الشح فإنّ الشح أهلك من كان قبلكم » « 4 » وكل هذه الأخلاق الخبيثة ممتدة من شجرة زقوم اللعن ، والطرد ، والبعد نعوذ باللّه من ذلك كله .
( قوله : كل العداوة الخ ) أي لأنّ مرجع هذه العداوة إنما هو الطبع الخبيث ، وهو لا يقبل التغير . ( قوله : قل للحسود الخ ) المراد أنّك إذا رأيت حاسدا يتنفس الصعداء كمدا بواسطة ما بطن فيه من داء الحسد قل له طعنة بقصد الدعاء عليه بها لدفع ضرره عن المسلمين .
وقوله : يا ظالما أي حيث تعدى حدود اللّه على غير من ظلمه ، وقوله : وكأنه مظلوم أي لما ظهر عليه من الكرب والحزن والسقم بداء حسده لغيره بجهله وغفلته .
( قوله : وإذا أراد اللّه الخ ) المعنى أنّه إذا تعلقت إرادته تعالى بإظهار فضيلة عبد سترها ليتم له حظها أتاح أي قدر لها أي لإظهارها لسان حسود يكرره كرها قصدا ، ومحبة في زوالها عمن منحها . ( قوله : اعتياد الغيبة ) أقول : احترز بلفظ إعتياد عن الأمر الإتفاقي الواقع من فلتات اللسان ، ثم تداركه صاحبه بالإقلاع والعزم على عدم العود مع دوام الندم على ذلك ، فمثل هذا لا يعد من الأخلاق المذمومة .
هامش
( 1 ) أخرجه أبو داود ( أدب 35 ) ومسلم ( بر 32 ) والترمذي ( بر 18 ) وابن ماجة ( زهد 23 ) .
( 2 ) أخرجه الزبيدي في ( إتحاف السادة المتقين 8 / 6 ) والعراقي في ( المغني عن حمل الأسفار 3 / 161 ) وابن عراق في ( تنزية الشريعة 2 / 103 ) .
( 3 ) أخرجه الترمذي ( بر 40 ) .
( 4 ) أخرجه مسلم ( بر 56 ) وأحمد بن حنبل ( 2 ، 160 ، 191 ، 195 ، 431 ، 3 ، 323 ) .