بمظلوم من الحاسد ) من حيث أنّه قام به ( غم دائم ونفس متتابع ) أي كتنفس الصعداء فهو بذلك في صورة مظلوم مع أنه ظالم يطلب ما ليس له طلبه . ( وقيل : من علامات الحاسد أن يتملق ) أي يتردّد إلى المحسود ويتلطف به ويظهر أنّه محب له ( إذا شهد ) أي حضر ( ويغتاب إذا غاب ) عنه ( ويشمت بالمصيبة إذا نزلت ) به وكلّ من الغيبة والشماتة معصية زائدة على معصية الحسد ، وقد قيل في قوله تعالى :
إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِها
[ آل عمران : 120 ] إنّ المراد بالحسنة النعمة ، وبالسيئة المصيبة وإنّه أريد بالأوّل الحسد وبالثاني الشماتة ، ثم نبه على أنهما لا يضرّان المسحود ولا المشموت به إذا اتقى وصبر بقوله تعالى :
وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً
[ آل عمران : 120 ] . ( وقال معاوية ) رضي اللّه عنه :
( ليس في خلال الشرّ ) أي خصاله ( خلة ) بفتح الخاء أي خصلة ( أعدل من الحسد )
شرح
حاجَةً مِمَّا أُوتُوا[ الحشر : 9 ] فإنّه قد نفى عن قلوبهم الحسد على ما أوتي غيرهم ، ولم يذكر جوارحهم ، فدل على أنّ الحسد من أعمال القلوب خاصة . ( قوله : من علامات الحاسد الخ ) يشير بذلك إلى أنّ معصية الحسد تجمع معاصي غيرها كالممالقة ، وهي من المداهنة والغيبة والشماتة ، أقول : والكبر أيضا ، فإنّ سببه حب التقدّم وشهود فضيلة النفس على الغير ، هذا ، والمداهنة المذكورة من قبيل التصنع والرياء ، وهو محرّم قال جل شأنه :مَنْ كانَ يُرِيدُ الْحَياةَ الدُّنْيا وَزِينَتَها نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمالَهُمْ فِيها[ هود : 15 ] إلى قوله :وَبَطَلَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ[ الأعراف : 139 ] قال مجاهد : هم أهل الرياء ، وقال تعالى :الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا[ الكهف : 140 ] قال مجاهد : أيضا هم أهل الرياء ، وقال تعالى :وَقَدِمْنا إِلى ما عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنْثُوراً[ الفرقان : 23 ] وقوله تعالى :إِنَّما نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزاءً وَلا شُكُوراً[ الإنسان : 9 ] قال مجاهد : ما قالوه : بألسنتهم ولكن علمه تعالى من قلوبهم ، فالرياء من الكبائر محبط لثواب العمل بل لذاته إن كان اعتقاديا ، والعياذ باللّه تعالى . ( قوله : وكل من الغيبة الخ ) أقول : بل معصية الغيبة والشماتة ربما تكون أقبح من معصية الحسد إذ الغيبة من محبطات ثواب الأعمال ، والشماتة ترجع إلى محبة ضرر الغير ، وهو قرين الشرك باللّه تعالى في الإثم اه .
فائدة شريفة للشفاء من داء الحسد وهي أن يلهم الإنسان التفكر فيما يعتقده بعلم الشريعة والعادة والعقل من أنه لا فاعل غيره تعالى ولا مقدّم ولا مؤخر سواه ، ولا تأثير لغيره في شيء أصلا ، والالتفات إلى أنّه معارض حكم ربه بجهله والتفكر فيما مضى له من الوقت على هذه الحالة من زيادة الآثام ، وعدم وصوله إلى شيء من المرام ، فبكل ذلك ربما يرجى له الشفاء من هذا الداء العضال . ( قوله : ليس في خلال الشر الخ ) ليس المراد مدح الحسد بل إفادة أنّ