يظهر أثر الحسد فيه قبل ظهوره في المحسود بل قد لا يظهر أثره في المسحود أصلا فتدوم النعم عليه ، ( وقال الأصمعي : رأيت أعرابيا أتت عليه مائة وعشرون سنة فقلت له ما أطول عمرك فقال : تركت الحسد ) الموجب للهموم والأحزان ( فبقيت ) عمرا طويلا بخلوّي عن الهموم والأحزان المضعفة للأبدان ، ( وقال ابن المبارك : الحمد للّه الذي لم يجعل في قلب أميري ) الذي هو حاكم عليّ من الحسد ( ما جعله في قلب حاسدي ) إذ لو جعل في قلبه ذلك لضاعت مصالحي ومصالح جميع رعيته . ( وفي بعض الآثار ) وفي نسخة الأخبار ( إنّ في السماء الخامسة ملكا يمرّ به عمل عبد له ضوء كضوء الشمس فيقول له الملك : ) إذا عرف أنه مشوب بحسد ( قف فأنا ملك الحسد اضرب به وجه صاحبه فإنّه حاسد ) فيردّ عمله فيه دلالة على شدّة التنفير من الحسد . ( وقال معاوية رضي اللّه عنه : كل إنسان أقدر ) أنا ( على أن أرضيه إلا الحاسد فإنّه لا يرضيه إلا زوال النعمة ) عن المحسود ، وأنا لا أقدر عليه لأنّه بيد اللّه تعالى بخلاف غيره ، فإنه يتأتى رضاه عادة بغير مطلوبه . ( ويقال : الحاسد ظالم غشوم لا يبقي ولا يذر ) أي لا يدع شيئا مما له دخل في إزالة النعم ، فلا راحة له في الدنيا ، ولا في الآخرة ، ( وقال عمر بن عبد العزيز رضي اللّه عنه : ما رأيت ظالما أشبه
شرح
( قوله : فقال : تركت الحسد الخ ) يفيد ذلك أنّ ترك الحسد من أسباب طول العمر ، ولا مانع من ذلك حقيقة بالنسبة للعمر المعلق على ذلك ، أو المراد أنّهما خلا العمر عن أسباب الضعف فكأنه طال بواسطة دوام الصحة ، ولذة العافية . ( قوله : وفي بعض الآثار الخ ) يفيد ذلك أنّ قبح الحسد وذمه مما قرّرته الشرائع القديمة ، وقد أكدت ذلك الشريعة الخاتمة ، وكذا دليل العقل فهو مذموم شرعا وعقلا .
( قوله : كل إنسان ) أي له غضب أقدر أنا على أنّ أرضيه بما يزول به غضبه إلا الحاسد فإنّ غضبه منشؤه ثبوت النعمة لغيره وهو لا يرضيه إلا زوالها ، وذلك بيد اللّه تعالى لا قدرة لغيره عليه بخلاف غير الحاسد ، فإنّه يمكن ، رضاؤه بغير مطلوبه ، وهو قد يتيسر للعبد .
( قوله : الحاسد ظالم غشوم الخ ) إنما كان غشوما لأنّ الظالم شأنه التعدّي على ما للغير مما له به انتفاع ، والحاسد ليس كذلك بل أثر حسده دوام ضرره بكمده وغمه .
( قوله : ما رأيت ظالما الخ ) أقول : ذلك من إشارات الحكمة وعبارات الصدق ، ويشبه ذلك ما ثبت عن سيدنا الحسن السبط حيث قال : ما رأيت حقا أشبه الباطل كالموت .
فائدة :
الحسد محرّم لأنّه من عمل القلوب ، وإن لم تساعدها الجوارح فإن ساعدتها كان ذلك زيادة في شره وإثمه ، ويدل لما قلناه مدحه تعالى بقول :وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ