لخبر : « ثلاث لا ينجو منهن أحد الطيرة والظن أي السيء والحسد » ، وسأنبئكم بالمخرج من ذلك إذا تطيرت فامض ، وإذا ظننت فلا تحقق وإذا حسدت فلا تبغ ( وقال بعضهم الحاسد جاحد لأنه لا يرضى بقضاء الواحد ) تعالى لأنه تعالى يريد إسباغ النعم على عبيده ، والحاسد يريد زوالها عنهم ، فهو لا يرضى بقضاء الواحد ، ( وقيل :
الحسود لا يسود ) لا دنيا ولا أخرى بل يعود عليه فيهما ضرر الحسد ، وهو ألم الهم والحزن في الدنيا ، وألم العقوبة في الآخرة ، ( وقيل في قوله سبحانه :
قُلْ إِنَّما حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنَ
[ الأعراف : 33 ] قيل : ما بطن الحسد ) والمشهور أنه معاصي القلب من حسد وغيره كالعجب والحقد ، وسوء الظن ، ( وفي بعض الكتب الحاسد عدوّ نعمتي ) لأنّه يكره رؤيتها على غيره ( وقيل : أثر الحسد يتبين فيك ) أيها الحاسد ( قبل أن يتبين في عدوّك ) وهو المحسود لأنّ الحاسد متألم في نفسه متنكد
شرح
من هذه العيوب الخسيسة . ( قوله : إذا تطيرت فامض ) أي افعل الأمر الذي ظننت شؤمه بواسطة الطيرة ، وقوله : وإذا ظننت فلا تحقق أي فلا تعمل بمقتضى ما ظننته ، وقوله :
وإذا حسدت فلا تبغ أي ، وإذا مالت نفسك للحسد بحسب طبعها الدنيء فقم عليها بشاهد العلم ، ولا تتجاوز ما أمرت به ونهيت عنه .
( قوله : الحاسد جاحد ) أي منكر ومعترض على أفعال الحكيم لأنّه لو وقف مواقف الأدب ، وسلم لمن له الأمر كله ما صدر منه حسد لأحد من المخلوقين . ( قوله : لأنّه لا يرضى الخ ) أي فهو كأنه كذلك ، وإلا كان كافرا خالدا في نار جهنم . ( قوله : الحسود لا يسود ) أي لا يثبت له سؤدد وتقدّم وحظ بل إنما يثمر له الحسد مجرد الضرر ، والهمّ والغمّ إذ المقدّر كائن لا محالة ، واللّه أعلم .
( قوله : وقيل في قوله سبحانه : الخ ) إنما حمل على ذلك لقبح الحسد وفحشه ، وزيادة شؤمه وضرره بالنسبة لغيره من داآت القلب الباطنة ، وإلا فمعنى الآية الكريمة عام إذ المعنىقُلْ إِنَّما حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَواحِشَ[ الأعراف : 33 ] أي ما تفاحش قبحه من الذنوب ، قيل : ما يتعلق منها بالفروج ما ظهر منها وما بطن بدل من الفواحش أي جهرها وسرّها ، وذلك كما ترى عام في كل ذنب . ( قوله : والمشهور أنّه معاصي القلب ) أي أنّ ما بطن من الفواحش هو معاصي القلب مما ذكره الشارح لا خصوص الحسد .
( قوله : عدوّ نعمتي ) أي عدوّ من أنعمت عليه إيثارا لنفسه بها ، وكراهة لرؤيتها على غيره . ( قوله : وقيل : أثر الحسد الخ ) الغرض الزجر عن الحسد ببيان أنّ ضرره لو قدر يتحقق في الحاسد قبل المحسود بل قبل حسده لأنّه ما أظهر الحسد إلا بعد امتلائه بهم الحقد والحسد الكامن في سرّه ، وكفى بذلك مضرة .
( قوله : بل قد لا يظهر الخ ) أي إذا حفظ اللّه تعالى المحسود لا يتأثر بالحسد .