تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نتائج الأفكار القدسية في بيان معاني شرح الرسالة القشيرية — صفحة 55

مساهمون:

ص٥٥
لأنّ فيه نسبة الظلم إلى اللّه تعالى وقد يطلق مجازا على الغبطة وتسمى بالمنافسة كما في خبر « لا حسد إلا في اثنتين رجل آتاه اللّه مالا ورجل آتاه اللّه علما » « 1 » الحديث ، وهي تمني العبد أن يكون له مثل ما لغيره ويستعاذ من شر الحاسد . ( قال اللّه تعالى :
قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ
[ الفلق : 1 ] أي الصبح
مِنْ شَرِّ ما خَلَقَ وَمِنْ شَرِّ غاسِقٍ إِذا وَقَبَ
ثم قال :
وَمِنْ شَرِّ حاسِدٍ إِذا حَسَدَ
[ الفلق : 2 - 5 ] فختم
شرح
والحرص عليها ، وقد يقضي ذلك بصاحبه إلى تمني زوالها عن الغير ، وثمرة الحسد دوام تعذيب من قام به بدوام شهوده ما تمنى زواله مما لم يكن في وسعه زواله ، وقد ينشأ الحسد عن العداوة والبغضاء ، وعن الكبر والعجب والرياء ، وذلك لكراهته في المحسود ، أو لحرصه على انفراده بصفات الكمال ليدوم له التعظيم من العباد . ( قوله : لأنّ فيه نسبة الظلم إلى اللّه تعالى ) أي يستلزم ذلك ، ومن المعلوم إن لازم المذهب ليس مذهبا وإلا كان الحاسد كافرا لا آثما بعصيانه بغير الكفر فقط ، والحاصل أنّ الحسد يلزمه نسبة الظلم كما تقدم والاعتراض على الحكيم العليم في أحكامه ، وسبب ذلك الحرص والجهل وحب الدنيا ، والعداوة ، والبغضاء ، وحب الرياسة ، وحب النفس ، والكبر ، وحب التفرد بالمزايا الدنيوية ، وغير ذلك من الصفات والأخلاق الذميمة . ( قوله : أنّ يكون له مثل ما لغيره ) أي مع عدم تمني الزوال عن ذلك الغير بل ربما تمنى زيادة ذلك الغير فيما منحه الحق تعالى واللّه أعلم . ( قوله :قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ[ الفلق : 1 ] الخ الفلق الصبح لأنّه يفلق عنه الليل ، وقيل : كل ما يفلقه اللّه تعالى كالأرض عن النبات والجبال عن العيون ، والسحاب عن الأمطار ، والحب والنوى عما يخرج منها ، وغير ذلك ، وفي تعليق العياذ باسم الرب المضاف إلى الفلق المنبىء عن النور عقيب الظلمة ، والسعة بعد الضيق ، والفتق بعد الرتق عدة كريمة بإعاذة العائذ مما يعوذ عنه وإنجائه منه ، وتقوية لرجائه بتذكير بعض نظائره ، فيزيذ في الجد والاعتناء بقرع باب الالتجاء إليه تعالى ، وقوله :مِنْ شَرِّ ما خَلَقَ[ الفلق : 2 ] أي من شر ما خلقه من الثقلين وغيرهم كائنا من كان ، وذلك كما ترى عام لجميع الشرور ، وإضافة الشر إلى المخلوقين لكونهم مما أسس على امتزاج المواد المتباينة وتفاعل كيفياتها المتضادّة المستتبعة للكون ، والفساد ، وأما عالم الأمر فهو خير محض منزه عن شوائب الشر ، وقوله :وَمِنْ شَرِّ غاسِقٍ[ الفلق : 3 ] تخصيص لبعض الشرور بالذكر مع اندراجه فيما قبله لزيادة مساس الحاجة إلى الإستعاذة منه لكثرة وقوعه أي ومن شر ليل معتكر ظلامه ، وأصل الغسق الامتلاء يقال : غسقت العين إذا امتلأت
هامش
( 1 ) أخرجه البخاري ( علم 15 ) ( زكاة 5 ) ( أحكام 3 ) ( تمني 5 ) ( اعتصام 13 ) ( توحيد 45 ) وأحمد بن حنبل ( 2 ، 9 ، 36 ) .