تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نتائج الأفكار القدسية في بيان معاني شرح الرسالة القشيرية — صفحة 54

مساهمون:

ص٥٤

باب الحسد

هو تمني العبد زوال النعمة عن غيره سواء أراد رجوعها إليه أم لا ، وهو حرام
شرح
باب الحسد أقول : الحسد تمني زوال نعمة الغير عنه ، فهو من الكبائر ، أما الحسد على معنى المنافسة فهو ينقسم إلى : مندوب ، ومكروه ، ومباح ، فإنّه إن تمنى مثل ما لغيره مما يقربه إلى ربه فهو مندوب وإن تمنى مثل ما لغيره مما كرهه الشارع ، أو أباحه كان حكمه كذلك من الكراهة أو الإباحة . واعلم أنّ الحسد على معنى تمني زوال نعمة الغير عن ذلك الغير عظيم إثمه عند اللّه قد هلك به كثير قديما وحديثا ، وبه هلك إبليس وجنوده من الكفار ، قال تعالى :وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمانِكُمْ كُفَّاراً حَسَداً مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ[ البقرة : 109 ] ، وقال تعالى :ما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ[ البقرة : 105 ] ، ففي الآية الأولى تمنوا زوال النعم بعد تحققها وفي الثانية كرهوا حصول الخير لهم ، وعلى كلّ فقد تحقق فيهم معنى الحسد وحكم الحسد التحريم ، وسببه الاعتراض على فعل الحكيم ، وثمرته دوام الهمّ الجسيم ، فاللّه تعالى يرزقنا السلامة والتسليم بجاه الرسول العظيم . وقال بعضهم : سببه كثرة الجهالات وقلة اليقين ودناءة الطبع ، وسوء الأدب ، وعدم القنع بالمقسوم ، وعدم الرضا بقضاء الحكيم ، والبعد عن مقامات العبودية حتى كأنه ينازع أحكام الربوبية ، وينسب الظلم إلى اللّه في أحكامه في العبيد تعالى اللّه عن ذلك علوّا كبيرا ، فهو حينئذ من الكبائر والداآت الخطرة ، فعلى من قام بقلبه داء الحسد المبادرة إلى علاجه بالرجوع إلى معرفة النفس ، ووقوفه تحت قهر العبودية ، وتسليم الكائنات إلى حكمة المدبر الحكيم خصوصا ولا فائدة في المنازعة لما قضاه الحكيم بل جميع المقدّرات لا بدّ من كونها على موجب إرادته تعالى ، ولا يعود شؤم الحسد إلا على من قام به ، أما في الدنيا فبالهمّ والغمّ ، وأما في الآخرة فبالعذاب الأليم ، ثم أقول : مرجع الحسد إلى رؤية تقديم النفس بشهود فضيلتها على الغير ، وربما جرّ ذلك إلى داء الكبر أيضا ، وهو من الداآت القبيحة فلا حول ولا قوّة إلا باللّه العليّ العظيم . ( قوله : هو تمني العبد زوال النعمة الخ ) قال بعضهم ، وسبب ذلك حب الدنيا