( وقيل : لو عرض للمؤمن ألف شهوة لأخرجها بالخوف ) الذي امتلأ قلبه به فلا يجد لها محلا تنفذ فيه . ( ولو عرض للفاجر شهوة واحدة لأخرجته من الخوف ) لامتلاء قلبه بها وضعف خوفه . ( وقيل : لا تضع زمامك في يد الهوى ) الذي منشؤه ميل النفس إلى ما تشتهيه ( فإنه يقودك إلى الظلمة ، وقال يوسف بن أسباط : لا يمحو الشهوات من القلب ) ويحمله على الطاعات ( إلا خوف مزعج ، أو شوق مقلق ) أي لا يحصل ذلك إلا بالخوف أو الرجاء ، فمن استقام على الطاعات ولذت له المناجاة أعرض عن الشهوات ( وقال الخوّاص : من ترك شهوة فلم يجد عوضها ) كفرحه بتركها وتلذذه بقربه من ربه ( في قلبه فهو كاذب في تركها وقال جعفر بن محمد بن نصير : دفع إليّ الجنيد درهما وقال : اشتر لي التين الوزيري ) وهو أطيب أنواع التين ، وكان قبل قد عزم على أن لا يأكله لتعلق قلبه به ، ودعاء نفسه إليه ( فاشتريته له ) وكان صائما ( فلما أفطر ) أي دخل وقت وإفطاره ( أخذ واحدة ) من التين ( ووضعها في فمه ) ناسيا لعزمه ( ثم ) تذكر فحينئذ ( ألقاها ) من فمه ( وبكى ) بكاء شديدا ( وقال ) لي :
( احمله ) أي خذه واذهب به ( فقلت له في ذلك ) أي ما سببه ( فقال : هتف في قلبي ) هاتف فقال : ( أما تستحي شهوة تركتها من أجله ) تعالى ، وفي نسخة من أجلي ( ثم تعود إليها ) وهذا من إكرام اللّه له بحيث نبهه على الوفاء بعزمه ( وأنشدوا ) في ذلك ( نون الهوان من الهوى مسروقة ) أي مسروقة من الهوى الذي هو الهوان مآلا فكان هوى ، وإنما سرقت نونه ، فمن ركب الهوى وغفل عن نونه وقع في الهوان ( وصريع كل هوى صريع هوان ) ؛ فكل من اتبع هواه حصلت له الإهانة في دنياه وأخراه .
( واعلم أنّ للنفس أخلاقا ذميمة ، فمن ذلك الحسد ) وسيأتي ولها أربعة أنواع الأمّارة
شرح
( قوله : الذي امتلأ الخ ) أشار بذلك إلى أن المراد بالخوف إنما هو الكامل منه لا مطلق الخوف . ( قوله : لأخرجته من الخوف ) أي لقوة شهوته بواسطة كثرة جهالته وضعف خوفه بسبب وهن بشريته بتوالي غفلته . ( قوله : إلا خوف مزعج ) أي بأن كان كاملا ، وقوله : أو شوق مقلق أي بأن كان قويا ، فالمراد الخوف والرجاء بشاهد العلم بحيث يستعمل كلا فيما يوافقه . ( قوله : من ترك شهوة الخ ) الغرض المبالغة في صدق الترك .
( قوله : نون الهوان الخ ) المعنى أن الشخص إن لم يراقب ما تميل إليه نفسه بشاهد العلم وقع في الهوان دينا ودنيا ، إذ النفس بما جبلت عليه من الشهوات لا تدعو إلا لما به إهانتها أو هلاكها ، فعلى العبد أن يدوم مراقبا لها بالتحفظ من حظوظها لأن الهوى إذا غلب العبد صرعه الهوان للزومه لغلبة الهوى ، وذلك معنى قوله : وصريع كل هوى صريع هوان . ( قوله : واعلم أن للنفس الخ ) مراده الدخول على كلام المصنف حيث ذكر باب الحسد .