( يقول : سمعت محمد بن عبد اللّه الرازيّ يقول : سمعت الحسن بن علي القرمسيني يقول : وجه عصام بن يوسف البلخي شيئا ) لا شبهة فيه ( إلى حاتم الأصم فقبله منه فقيل له : لم قبلته ) منه على خلاف عادتك في عدم قبولك شيئا من صلات الملوك ( فقال : وجدت في أخذه ذلي وعزه ، وفي ردّه عزي وذله ، فاخترت عزه على عزي وذلي على ذله ) فقبلته منه إدخالا للسرور عليه ، وشفقة على قلبه من انكساره بالردّ عليه . ( وقيل لبعضهم : إني أريد أن أحج على التجريد فقيل له : جرّد أوّلا قلبك عن السهو ) عما أمرت بحضور قلبك فيه من مناجاة اللّه في الصلوات بالقراءة والدعاء وإخلاص النية ( و ) جرّد ( نفسك عن اللهو ) وهو الميل إلى الشهوات والتلذذ بالمطعومات ( و ) جرّد ( لسانك عن اللغو ) وهو ما لا نفع فيه ( ثم أسلك ) أي اذهب ( حيث شئت ) متى شئت فعلم أنّ التجريد ليس هو ما يعرفه أكثر الناس من مفارقة الأهل ، والكسب ، والمال فقط بل هو التخلي مطلقا عما يخشى العبد ضرره في دنياه وأخراه .
( وقال أبو سليمان الداراني : من أحسن في ليله كوفىء في نهاره ، ومن أحسن في نهاره كوفىء في ليله ) تقدّم هذا لكنه ذكر ثم بلفظ كفى من الكفاية والسلامة ، وهنا بلفظ كوفىء من المكافأة والمجازاة .
( ومن صدق في ترك شهوة كفي مؤنتها ) أي مؤنة شرّها ، وأزال اللّه تلك الشهوة من قلبه في الدنيا ، وزهده فيها ببركة صدقه في تركها له تعالى ( واللّه أكرم من أن يعذب قلبا ) وفي نسخة عبدا ( ترك شهوة لأجله ، وأوحى اللّه سبحانه إلى داود عليه
شرح
عن عيوبها بواسطة حب تزكيتها من حيث أنه يرى منها القبيح حسنا . ( قوله : فاخترت الخ ) أقول : وهذا شأن المؤمن يحب لأخيه مثل ما يحب لنفسه بل قد يترقى إلى درجة الإيثار .
( قوله : فقال له : جرد أولا الخ ) أقول : وقريب من هذا ما يحكى أن بشرا الحافي جاءه جماعة من الشام وطلبوا منه أن يحج معهم فقال لهم : نعم ، ولكن بشروط ثلاثة أن لا نحمل معنا شيئا ، ولا نسأل أحدا شيئا ، ولا نقبل من أحد شيئا ، فقالوا له : أما الأول والثاني فنقدر عليه ، وأما الثالث فلا نقدر عليه ، فقال لهم : أنتم الذين تحجون متوكلين على زاد الحاج . ( قوله : من أحسن في ليله الخ ) أقول : ولهذا شاهد من العلم لما ثبت أن عمل الليل يعرض وقت الفجر وعمل النهار يعرض وقت المساء ، وعند القبول ينال العبد فوق المأمول .
( قوله : واللّه أكرم الخ ) أي وقد قال تعالى :وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا