تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نتائج الأفكار القدسية في بيان معاني شرح الرسالة القشيرية — صفحة 50

مساهمون:

ص٥٠
السلام : يا داود حذر وأنذر أصحابك كل الشهوات فإنّ القلوب المعلقة بشهوات الدنيا عقولها عني محجوبة ) بالشهوات لقوله تعالى :
ما جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ
[ الأحزاب : 4 ] ولأنّ القلوب إذا امتلأت بشيء اشتغلت عن غيره بما هي فيه لخبر : « حبك الشيء يعمي ويصم » ، فمن اشتغل باللّه وبمناجاته عمي عن الاشتغال بشهواته وبالعكس . ( ورؤي رجل جالسا ) وفي نسخة جالس ( في الهواء فقيل له : بم نلت هذا المقام فقال : تركت الهوى ) بالقصر أي العمل بمقتضاه ( فسخر لي الهواء ) بالمدّ ، فمن ترك الهوى شغلا بطاعة المولى صح أن تنخرق له العادات من حمله على الماء والهواء ومن غيره .
شرح
[ العنكبوت : 69 ] فوعدهم بالعون منه ، وهو أكرم الأكرمين ، وأصدق المحسنين هذا وفي ذلك إشارة إلى أن ترك شهوة للّه تعالى قد يكون سببا في غفران غير ذلك من الذنوب . ( قوله : حذر وأنذر أصحابك الخ ) مراده من الأصحاب من يخاف اللّه تعالى ، فإنه لو عرضت للمؤمن ألف شهوة لأخرجها بالخوف ، ولو عرضت للفاجر شهوة واحدة لأخرجته من الخوف . ( قوله : فإن القلوب الخ ) اعلم أنهم إنما يريدون من القلوب اللطيفة الإنسانية المعبر عنها بالنفس البشرية ، وهي المرادة في حال الإطلاق لا الروح ، إذ الروح جسم لطيف نوراني ليس له قبل الجسم صورة لبساطته في عالمه العلوي ، فإذا حل في الجسم اكتسب الصورة في الحال منه ، وهو حادث ليس بقديم ، ولا يفنى بعد خلقه ، وهو من عالم الأمر الرباني والاطلاع على حقيقته عسر لأنه من الأسرار المضنون بها على كثير من الخلق ، وهو غريب في السفليات أصل في العلويات شعر :الروح من نور أمر اللّه منشؤها * والأرض منشأ هذا القالب البدن فالروح في غربة والجسم في وطن * فارعوا زمام غريب نازح الوطناه . فائدة : اعلم وفقني اللّه وإياك أنك إذا تحققت قبح صفات النفس المذمومة ، وعلمت ما تثمره من الآفات وتحجب عنه من الخيرات ، يلزمك أن تقوم عليها بالتخلص من ذلك شيئا فشيئا ، وتجاهدها عن هواها بالرفق قليلا قليلا ، فإنها إن حملت الأثقال نفرت ، وإن رفق بها في الحمل والسير وصلت ، فهي دابتك ومركبك ، فمن رفق بدابته وأحسن سياستها وصل ، ومن حملها فوق طاقتها وأرغمها في سيرها وقفت أو هلكت ، ومن حمل مركبه وسعها وأخذ أحسن العدة والآلة وجعل عقله حارسا لهواه في وقت هيجان البحر وخوف الغرق نجا وسعد ، ومن أوسقها فوق طاقتها وأهمل عدتها واشتغل بالرغبة في كثرة أجرتها أفضى به ذلك عند هيجان البحر إلى الغرق ، فتزل به القدم ويندم واللّه أعلم .