تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نتائج الأفكار القدسية في بيان معاني شرح الرسالة القشيرية — صفحة 47

مساهمون:

ص٤٧
الدنان ) التي في هذه الأماكن كلها ( خمر فقلت في نفسي : لزمني فرض ) وهو صب هذه الخمر ( فدخلت حانوت الخمار ولم أزل أصب تلك الدنان وهو ) أي الخمار ( يتوهم أني أصبها بأمر السلطان ) أي لما رأى من جدي وإقدامي ( فلما علم ) أنّه ليس بأمره ( حملني إلى ابن طولون ) والي الثغر إذ ذاك ( فأمر بضربي مائتي خشبة ) أي مائتي ضربة بها ( وطرحني في السجن ، وبقيت فيه مدة حتى دخل أبو عبد اللّه المغربي أستاذي ذلك البلد ) فأخبر بما أصابني ( وشفع لي ) عند الوالي وأخرجني ( فلما وقع
شرح
( قوله : فعلت شبعة عدس الخ ) أقول : وهكذا تصنع شهوات النفس لأن شأن النفس الخلف في وعدها ، والنقض لعهدها ، فكثيرا ما تعد الصبر عند حلول المصائب ، والسكون عند خوف المعاطب ، فإذا حلت بها المصيبة جزعت وإذا توهمت عطبا هلعت ونفرت ونقضت ما عليه عزمت ، ورفضت ما بالسكون في وقت هجومه وعدت ، وبهذا الاعتبار كانت النفس عدوة للإنسان حيث تغره بوعدها ويسكن بجهله لقولها ، فإذا جاء وقت الحاجة إلى الوفاء بما وعدت أخلفت ، أو إلى الإعراض عما التزمت الإعراض عنه شرهت وطمعت ، وهذا كله شأن أعظم الأعداء وأكبر المخادعين ، فاللّه تعالى يقينا شرها بجاه سيد المرسلين . فائدة : اعلم وفقني اللّه وإياك أن الذي تنتفي به الغرة عن المغتر مختلف بحسب ما اغتر به كل إنسان ، فإذا كان الغرور بالعلم فداؤه النظر في مقدار العلم بالإضافة إلى ما يجوز في حقه ، وبالإضافة إلى ما ناله غيره ممن هو أرقى منه كالأنبياء والأولياء والسلف الصالح ، فإنه إذا تفكر في ذلك علم أن الذي أوتيه بالنسبة لذلك كلا شيء على أن حق مثله أن يشكر ، ولا يكفر ، وإذا كان الغرور بعمله فيداويه بالتفكر في نفسه هل قام بحق اللّه تعالى عليه وراقبه فيه فيما طلبه منه ونهاه عنه ، وذلك بالنسبة إلى سائر جوارحه الظاهرة والباطنة ، فإنه إذا أتقن التفكر في ذلك تحقق عجزه وتقصيره وتفريطه في كثير من حقوق ربه ، وأيضا لو نظر إلى أعمال من تقدمه من الأنبياء والأولياء والسلف الصالح لعلم أن أعماله كلا شيء بالنسبة لذلك . دقيقة : من المغترين طائفة فهمت كلام أرباب الأحوال ، والمقامات ، وعرفت بعض إشاراتهم وأدركت المعاني التي أشاروا إليها فغرها ذلك حتى اعتقدت تخلقها بتلك الأحوال وذلك لكونها لم تفرق بين العلوم والأحوال ، وربما قوي عليها ذلك الاغترار حتى صرحت بالاتصاف بذلك ، ودعت غيرها من الناس إلى التخلق بمثل خلقها ، فيجب على مثل هؤلاء الردع عن غرتهم ، وتنبيههم على سنة رقدتهم بأن يمتحنوا أنفسهم في المواطن التي تحتاج إلى كمال التوكل ، وتمام الرضا والتسليم ، أو الزهد والورع ، أو غير