عمر الأنماطي يقول : سمعت ابن عطاء وقد سئل عن أقرب شيء إلى مقت اللّه فقال :
رؤية النفس و ) رؤية ( أحوالها ) استحسانا ( وأشد ) قبحا ( من ذلك مطالعة الأعواض ) بأن يطلب العوض من اللّه ( على أفعالها ) أي النفس مع أنّ ما هي فيه من جملة فضل اللّه عليها ( وسمعته ) أيضا ( يقول : سمعت الحسين بن يحيى يقول : سمعت جعفر بن نصير يقول : سمعت إبراهيم الخوّاص يقول : كنت في جبل اللكام ) بالشام ( فرأيت
شرح
( قوله : رؤية النفس ) أي بشهود خير صدر عنها ، وقوله : وأشد قبحا من ذلك أي من شهود ذلك مطالعة الأعواض أي تطلع العبد إلى جزاء الأعمال ، وإنما كان أشد قبحا لما فيه من الغفلة عن تصاريف الحق في العبيد فضلا وإحسانا ، والكلام في رؤية الاستحسان والاستعظام والاتكال لا رؤية العلم بإيقاع الأعمال فإن ذلك نور وهدى ، فليس بحجاب بل هو به مأمور ، وعلى فعله مشكور فتأمل .
تنبيه :
من آفات النفس الاغترار ببعض الأعمال ، وبظواهرها مع الغفلة عن بواطنها وآفاتها ، وأصل الاغترار خدعة النفس عما هو أولى بها واشتغالها بغيره ، قال تعالى :وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا إِلَّا مَتاعُ الْغُرُورِ[ آل عمران : 185 ] وذلك لاغترار الخلق بجمال الظاهر مع الغفلة عن خبث الباطن ، فهي متاع لحظة يغتر به العبد من الخير الدائم ثم لما كانت مقامات الدين متفاوتة ورتبه مختلفة كان الاغترار بما حصل عما لم يحصل مع إمكان حصوله من جملة الخذلان ، ومن اغتر بما حصل من العلوم وسعة مجالها وتفاوتها كان من الغافلين المدعين للإحاطة بكل معلوم ، كذلك من تيسر له بعض الأعمال ودام على ذلك في كثير من الأحايين فاغتر بذلك وغفل عن أعمال قلبه ، وكذلك إن غفل عن تحصيل المعرفة واليقين والتنقل في درجات المربين كان مغرورا بما حصل من أعماله عما هو أفضل منها فهذه محالّ اغترار المغرورين بأعمال الدنيا والدين في الجملة ، ( أقول ) ومن ذلك الاغترار باللّه عز وجل ، ويكون من الكافرين ، أو العاصين من المؤمنين ، وذلك بالنسبة للكافرين بسبب ما أسبغ عليهم من نعمه الدنيوية ، فظنوا أن ذلك لكرامتهم عنده كما حكاه سبحانه وتعالى عن بعضهم بقوله :وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلى رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنى[ فصلت : 50 ] وعن آخرين منهم بقوله :وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْراً مِنْها مُنْقَلَباً[ الكهف : 36 ] فاغتروا بذلك النعيم الدنيوي حتى ظنوا حصول نعيم الآخرة لاستحقاقهم لذلك وأهليتهم له ، واغترار المسلمين يكون من العاصي والمطيع ، فالمطيع يغتر بأعماله الحاصلة مع الغفلة عما لم يحصل مع إمكانه ، واغترار العاصي بالإمهال وتأخير العقوبة عن الحال مع دوام عوافيهم وتيسر أرزاقهم ورجائهم العفو منه تعالى مع تكاسلهم عن القيام بحقه تعالى ، وكل ذلك غرور وأماني باطلة سهل طريق ذلك شيطانهم وخبث نفوسهم .