لأذكر اللّه في غير صلاة ( فلم أطق القعود ففتحت الباب وخرجت ) انتظر الفرج ( فإذا رجل ملتف في عباءة ) بالمد ( مطروح على الطريق فلما أحس بي رفع رأسه وقال : يا أبا القاسم ) تأخرت عني ( إلى الساعة ) أي لم لم تخرج من حين تحيرت أو هذا مكاشفة بحال الجنيد ( فقلت ) له : ( يا سيدي ) جئتني ( من غير موعد ) بوقت ( فقال :
بلى ) جئتك بموعد فإلي ( قد سألت محرك القلوب أن يحرك لي قلبك ) أي فالوقت الذي طلبتك فيه منه هو أوّل ما حركك فهو الموعد ( فقلت قد فعل ذلك ) أي حركني لك ( فما هي حاجتك فقال : متى يصير داء النفس دواءها فقلت : إذا خالفت النفس هواها صار داؤها دواها فأقبل على نفسه وقال : اسمعي فقد أجبتك بهذا الجواب سبع مرات فأبيت ) أن تقبليه ( إلا أن تسمعيه من الجنيد وقد ) وفي نسخة فقد ( سمعت ) ذلك منه ( وانصرف عني ولم أعرفه ولم أقف عليه بعد ) فعلم أنّ الدواء النافع للنفس
شرح
( قوله : فقلت : إذا خالفت النفس هواها الخ ) أقول : ومما يجب خلافها فيه حب الرياسة ، وذلك يكون على وجهين وسببين أحدهما الجهل بالنفس وما هي عليه من الخسة والنقص ، وبما دعيت إليه وكلفت به من التعبد والتذلل لمولاها في كل تصرفاتها إما على وجه الوجوب أو الندب ، وثانيهما حب الدنيا وهو أعظمهما ، ومن جملة أقسام حب الدنيا محبة الرياسة والعلو ، فلامتلاء القلب بمحبتها تظهر هذه الآثار على ظاهر العبد ، ومما يخلص من ذلك شهود تحقير الدنيا ، والرجوع إلى أقدار اللّه تعالى ، وإن حركاته وسكناته لا تغير شيئا مما وقع به القضاء والقدر وتفكره في قدر نفسه ، وأصلها وأحوالها في دنياها وفقرها وعجزها ، وذلها عن تحصيل منافعها الدنيوية والأخروية إلا بعونه سبحانه وتعالى .
واعلم أن من أخلاقها المذمومة التي يجب خلافها فيها سبقها إلى ظن السوء بل إلى اعتقاده في محل تساوي الاحتمالات عند ذوي العقول والسداد ، فإذا رأت من شخص فعلا أو حالا محتملا من غير دليل على الترجيح سبق إليها سوء الظن بفاعله وحمله على الوجه القبيح ، وهذا بعيد عن الدين وأخلاق المؤمنين ، وقد روى الترمذي يرفعه إلى أبي هريرة أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال : « إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث » « 1 » قال أبو عيسى :
حديث حسن صحيح . ( قوله : إذا خالفت النفس الخ ) أي لأن موافقة النفس طاعة للشيطان فخالف نفسك واعتبر بآدم عليه السلام لما اتبع هواه في أكله من الشجرة هبط من الفردوس الأعلى إلى الحضيض الأسفل ، وبنوح عليه السلام لما اتبع هواه في تخليص ولده من الغرق رد اللّه تعالى عليه بقوله :فَلا تَسْئَلْنِ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ[ هود : 46 ] الآية
هامش
( 1 ) أخرجه البخاري ( وصايا 8 ) ( نكاح 45 ) ( فرائض 2 ) ( أدب 57 ، 58 ) ومسلم ( بر 28 ) والترمذي ( بر 56 ) والموطأ ( حسن الخلق 15 ) وأحمد بن حنبل ( 2 ، 245 ، 287 ، 312 ، 342 ، 465 ، 480 ، 482 ، 492 ، 504 ، 517 ، 539 ) .