له ، فقوله : لا يكون له إلى اللّه حاجة أي سؤال لا افتقار ، فهو مفتقر إليه لكنه لا يسأله لما يراه من توالي نعمه عليه ، وكفايته له . ( وقال ابن خفيف : الفقر عدم الأملاك ) أي عدم إضافة العبد لها إلى نفسه ، وإنما جرت عليه فضلا من ربه ( والخروج من أحكام الصفات ) بأن يترك دعواه لما هو فيه من أحواله ومقاماته الشريفة ، ويضيفها إلى المتفضل عليه ، فالفقير لا يدعي لنفسه ملكا عينا ولا عرضا ، ولا عملا ، ولا حالا ولا مقاما إذ كلها ملك لربه ، وهو محل لجريانها عليه .
( وقال أبو حفص : لا يصح لأحد الفقر حتى يكون العطاء ) أي إعطاؤه لغيره ( أحب إليه من الأخذ ) لأنّ من كمل فقره كان فرحه بما يبذله أكثر من فرحه بما يأخذه لما فيه من الكرم والإيثار والاتصاف بأخلاق المقربين الأبرار ، وبالأخذ محتاج إلى شروط في نفسه وفيمن يعطيه ، وربما أعطاه غيره لوصف فظنه فيه وهو عار عنه ففيه انخداع واغترار ، فخوفه عند الأخذ وفرحه عند البذل أولى به ( وليس السخاء أن يعطى الواجد ) للشيء ( المعدم ) له ( إنما السخاء أن يعطي المعدم ) للشيء ( الواجد ) له بأن لا يقبله منه إذا أتاه به كما مر بيانه في باب الجود والسخاء . ( سمعت محمد بن الحسين ) رحمه اللّه ( يقول : سمعت عبد الواحد بن بكر يقول : سمعت الدقي يقول :
سمعت ابن الجلاء يقول : لولا شرف التواضع ) والتذلل والعبودية ( للّه لكان حكم الفقير ) أي لكان اللائق به وبعزة نفسه واستغنائه عن غير اللّه ( إذا مشى أن يتبختر ) في مشيته تعززا بمولاه ، وغيظا واستهزاء لعدوّه الشيطان المرصد لعداوته في دنياه .
( وقال يوسف بن أسباط : منذ أربعين سنة ما ملكت قميصين ) فيه دلالة على تقلله من الدنيا ، وبعده عن زهرتها ، ومع ذلك فقد حض الشرع على التجمل لا سيما
شرح
( قوله : الفقر عدم الإملاك الخ ) هو ظاهر لا غبار عليه ، فللّه دره ، وإنما يعتبر معه الغناء عن شهود هذا الخلق حتى يلتحق بمقام العارفين . ( قوله : أحبّ إليه من الأخذ ) أي فيكون بهذا النعت متخلقا بالأخلاق المحمدية التي هي أكمل الأخلاق البشرية .
( قوله : لما فيه من الكرم ) أي المتعدي منافعه . ( قوله : والأخذ محتاج إلى شروط ) أي ومنها الحاجة إلى المأخوذ وأن لا يأخذ زيادة عما يحتاج إليه في يومه وليلته ، ولذلك قد تقرر في مذهب إمامنا الشافعيّ رضي اللّه تعالى عنه حرمة السؤال من غير المحتاج لغيره من الخلق ، وحرمة القبول إذا كان غير محتاج بوجود كفاية يوم وليلة . ( قوله : وربما أعطاه غيره الخ ) أي وقد صح في الخبر « دع ما يريبك إلى ما لا يريبك » . ( قوله : وليس السخاء الخ ) محصله أنّ التعفف وعدم القبول من الغير أشرف من قبول الشيء من الواجد له .
( قوله : أن يتبختر الخ ) أي لكن مع ذلك التشبه بحال المتكبرين المعجبين بأنفسهم .