اللّه ( يقول : سئلت عن معنى قوله صلى اللّه عليه وسلم : « كاد ) أي قارب ( الفقر أنّ يكون كفرا » قال :
فقلت : آفة الشيء وضده على حسب فضيلته وقدره ) أي تعرف فضيلة الشيء وعلو درجته بنزول قدر ضده ( فكل ما كان ) الشيء ( في نفسه أفضل فضده وآفته أنقص كالإيمان لما كان أشرف الخصال كان ضده الكفر ) الذي هو وآفته انقص الخصال ، ( فلما كان الخطر على الفقر الكفر باللّه أي التغطية ) للحق ( دل على أنّه ) أي الفقر إلى اللّه ( أشرف الأوصاف ) هذا تقرير كلامه ، ولا يخفى ما فيه ، والحاصل له على ذلك كون الكلام في شرف الفقر ، وإلا فظاهر أنّ الفقر في الخبر هو الفقر إلى غير اللّه لا إلى اللّه وذكر هنا ليحترز عنه ، فالمعنى أنّ الفقر إلى غير اللّه كاد أن يكون كفرا لافتقار صاحبه إلى من لا يملك شيئا فإنّ المالك لكل الأشياء حقيقة هو اللّه ، ومن هذا الفقر استعاذ النبي صلى اللّه عليه وسلم ، فالفقر كما مرت الإشارة إليه فقران محمود ومذموم ، فالمحمود هو الفقر إلى اللّه تعالى ، وهو الفقر الذي اختاره وسأله النبي صلى اللّه عليه وسلم ، وسبق بأهله إلى الجنة قبل الأغنياء بخمسمائة عام ، والمذموم هو الفقر إلى غير اللّه ، وهو ما استعاد منه صلى اللّه عليه وسلم .
( سمعت الشيخ أبا عبد الرحمن السلميّ رحمه اللّه يقول : سمعت أبا نصر الهرويّ يقول : سمعت المرتعش يقول : سمعت الجنيد يقول : إذا لقيت الفقير فالقه بالرفق ، ولا تلقه بالعلم ) بحاله ( فإن الرفق يؤنسه ، والعلم يوحشه ، فقلت له : يا أبا القاسم وهل يكون فقير يوحشه العلم ؟ فقال لي : نعم الفقير إذا كان صادقا في فقره فطرحت عليه علمك ) وفي نسخة علما وفي أخرى علمه ( ذاب كما يذوب الرصاص ) بفتح الراء ( على النار ) لأنّ الفقراء الغالب عليهم الأحوال التي تثمرها العلوم
شرح
( قوله : كاد الفقر ) أي باعتبار آفته ، وهو جعله لغير اللّه ، ومعنى قوله : « كاد الفقر أن يكون كفرا » أي قرب من كونه يكون ساترا للحق . ( قوله : آفة الشيء وضده ) مراده بالشيء الفقر إلى اللّه ، وبضده الفقر لغير اللّه ، وقوله : على حسب فضيلته أي فضيلة ذلك الشيء وقدره ، والآفة جعل ذلك الفقر لغيره تعالى إلا أنّ في التعبير نوع خفاء وقلاقة . ( قوله :
ولا يخفى ما فيه ) محصله كما يعلم من باقي كلامه أنّ المراد بالفقر في الحديث إنما هو الفقر لغير اللّه لا الفقر إلى اللّه الذي الكلام فيه ، والمؤلف جعل المقصود في الحديث مدح الفقر إلى اللّه بذم ضده الذي هو الفقر إلى غير اللّه ، فقد ارتكب خلاف الظاهر من الخبر ، والذي دعاه إلى ذلك كون الكلام في شرف الفقر إلى اللّه والخطب سهل .
( قوله : لافتقار صاحبه الخ ) أي بإظهار حاجته لمن لا يملك شيئا . ( قوله : فألفه بالرفق ) أي بالتسليم حتى تستكشف حكمه الحكيم ، وقوله : ولا تلقه بالعلم أي بأن تعارضه بالمنقول في علم الشريعة .
( قوله : الغالب عليهم الأحوال ) أي وهي قد لا تقبلها العقول ولا يحتملها ظاهر