السنة في جميع الأفعال وطلب القوت من وجه حلال ) المشار إليه بخبر : « قد أفلح من أسلم وكان قوته حلالا وقنعه اللّه » « 1 » ، ( وسمعته أيضا يقول : سمعت الحسين بن أحمد يقول : سمعت المرتعش يقول : ينبغي للفقير أن لا تسبق همته خطوته ) أي حالته التي هو فيها بأن لا يعلق قلبه من الدنيا بغير ما هو محتاج إليه في الوقت ، ( وسمعته أيضا يقول : سمعت أبا الفرج الورثاني يقول : سمعت فاطمة أخت أبي عليّ الروذباريّ تقول : سمعت أبا عليّ الروذباريّ يقول : كان أربعة في زمانهم ) متفاوتي الدرجة بالنظر إلى الأخذ من الغير وعدمه بغير سؤال ( واحد ) منهم ( كان لا يقبل من الإخوان ولا من السلطان ) طلبا لكمال سلامته من غرر الأخذ في الدين والدنيا ( وهو يوسف بن أسباط ورث سبعين ألف درهم ، ولم يأخذ منها شيئا ) تورعا ( وكان يعمل الخوص بيده ) ليأكل من كسبه ، ( وآخر ) وهو الثاني ( كان يقبل من الإخوان والسلطان جميعا ) عملا بقول النبي صلى اللّه عليه وسلم لعمر رضي اللّه عنه : « ما أتاك من غير مسألة فخذه » « 2 » ( وهو أبو إسحاق الفزاريّ فكان ما يأخذه من الإخوان ينفقه في المستورين ) المنقطعين للعبادة ( الذين لا يتحرّكون ) للاكتساب عونا لهم على ما هم بصدده من الاشتغال بالعبادة ( والذي يأخذه من السلطان كان يخرجه إلى مستحقيه من أهل طرسوس ) بفتح الراء ليوصلهم حقوقهم من بيت المال بلا كلفة فيدخل عليه بذلك المسرة ، فهو لم يأخذ شيئا من ذلك في الحقيقة لنفسه .
( والثالث كان يأخذ من الإخوان ) لكونه يعلم حل أموالهم ( ولا يأخذ من
شرح
( قوله : أن لا تسبق همته خطوته ) أي لأنّ اس الفقر قصر الأمل ، فلا يعدو نظره وقته ، فيكون احتياجه إلى الدنيا يسيرا وإتقانه لأعماله وخوف فوات أوقاته عظيما ، فلا يمسك شيئا في يده لمستقبل وقته ، ويرى أنّ اشتغاله بغير وظيفة الوقت من جملة مقته حذرا من فوات ما نواه بهجوم ما يخشاه ، وذلك هو المراد بقولهم : الصوفي ابن وقته لا التفات له إلى ماض ولا مستقبل .
( قوله : من غرر الأخذ في الدين ) أي بالاشتغال به عما هو بصدده ، وقوله : والدنيا أي بالطغيان الغالب في حق المتوسعين فيها . ( قوله : فكان ما يأخذه الخ ) هو عندي أكمل حالا من الذي ذكر قبله لأنّ خلق هذا محمدي . ( قوله : كان يخرجه إلى مستحقيه ) لك أن تقول : من أين له علمهم ؟ إلا أن يقال : يكفي في ذلك اجتهاده .
( قوله : والثالث الخ ) أقول : ومثل هذا أكمل ممن قبله لعمله بالسنة ، ولعله كان
هامش
( 1 ) أخرجه مسلم ( زكاة 125 ) والترمذي ( زهد 35 ) وابن ماجة ( زهد 9 ) وأحمد بن حنبل ( 2 ، 168 ، 173 ) .
( 2 ) أخرجه ابن عبد البر في ( التمهيد 2 / 17 ) .