لفقره في مقاماته العالية لم يكمل فقره ، ومن رأى فقره فضلا من ربه وتبرأ من إضافته إلى نفسه فقد كمل مقامه وتمكن فيه .
( وقيل : صحة الفقر أن لا يستغني الفقير في فقره بشيء إلا بمن إليه فقره ) وهو اللّه لأنّ الفقر الصحيح هو الافتقار إلى من يملك قضاء الحوائج ، ولا يملكها حقيقة إلا اللّه ، فالفقير إلى اللّه هو الغني باللّه بأن يستغني به عن غيره ، وهذا القول قريب من الذي قبله ، ( وقال عبد اللّه بن المبارك : إظهار الغنى في الفقر أحسن من الفقر ) لأنّ الفقر درجة رفيعة فسترها بإظهار الغنى أحسن منها كما قال تعالى :
يَحْسَبُهُمُ الْجاهِلُ أَغْنِياءَ مِنَ التَّعَفُّفِ
[ البقرة : 273 ] الآية . ( سمعت محمد بن عبد اللّه الصوفي ) بن باكويه ( يقول : سمعت هلال بن محمد يقول : سمعت النقاش يقول :
سمعت بنان ) الأولى بنانا ( المصري يقول : كنت بمكة قاعدا وشاب بين يدي فجاءه إنسان وحمل إليه كيسا فيه دراهم ووضعه بين يديه ) ليأخذه ( فقال ) له : ( لا حاجة لي فيه فقال : فرقه على المساكين ) فأخذه وفرقه عليهم ( فلما كان العشاء رأيته في الوادي يطلب شيئا لنفسه فقلت : لو تركت لنفسك شيئا مما كان معك ) كان خيرا لك ( فقال له : لم أعلم أني أعيش إلى هذا الوقت ) في ذلك دلالة على فقره وزهده وقصر أمله .
( سمعت الشيخ أبا عبد الرحمن السلميّ رحمه اللّه يقول : سمعت علي بن بندار الصيرفي يقول : سمعت محفوظا يقول : سمعت أبا حفص يقول : أحسن ما يتوسل ) وفي نسخة يتوصل ( به العبد إلى مولاه دوام الفقر إليه على جميع الأحوال وملازمة
شرح
( قوله : وقيل : صحة الفقر الخ ) أي فذلك هو السر المعمي الذي أسره سيد الخلق صلى اللّه عليه وسلم للأنصار حين عتب عليه بعضهم حيث قال : سبحان اللّه رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يعطي قريشا وسيوفنا تقطر من دمائها فجمعهم في قبة من أدم وقال في حديث طويل : « أما ترضون أن يرجعوا إلى رحالهم بالدرهم والدنيا ، وترجعون أنتم برسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم » فكأنّه قال : لا أرضى لكم في جهادكم وبذل أنفسكم وأموالكم بين يدي أن تثابوا بغيري فحسبكم من الفضة والعين رجوعكم بالرأس والعين فافهم فهمني اللّه وإياك ، ونفعنا بذلك وسائر الأحبة ، « فمن كانت هجرته إلى اللّه ورسوله فهجرته إلى اللّه ورسوله » ، الحديث .
( قوله : إلا بمن إليه فقره ) أي ليندرج في آيةيا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَراءُ إِلَى اللَّهِ[ فاطر : 15 ] . ( قوله : في ذلك دلالة على فقره ) أي من صفة الفقر مجردة عن إظهار الغنى إذ هي به مظنة للزيادة . ( قوله : في ذلك دلالة على فقره ) أي حاجته وزهده أي إعراضه عن الدنيا ، وقصر أمله أي وهو جماع الخير له .
( قوله : على جميع الأحوال ) أي وجودا وعدما في كامل الأوقات ، وقوله : وملازمة السنة أي وهي ما كان عليه صلى اللّه عليه وسلم من الأخلاق ، وهي جماع الخيرات .