أن يعطى الرجل كفايته ثم يصان فيه ) أي فيما أعطيه ، وهي حالة متوسطة بين الفقر والغنى « وخير الأمور أوسطها » وهي الحالة التي اختارها النبي صلى اللّه عليه وسلم لنفسه وسألها بقوله : « اللهم اجعل رزق آل محمد قوتا » وروي كفافا ، وهذه حالة سليمة من آفات الغنى المطغي وآفات الفقر المدقع اللذين كانا يتعوذ منهما صلى اللّه عليه وسلم ، فالفقير الصابر بهذا المعنى أفضل من الغني الشاكر ، وهو المختار تبعا لابن الصلاح وغيره ، واحتجوا بخبر دخول الفقراء الجنة قبل الأغنياء بخمسمائة عام . ( سمعت محمد بن الحسين رحمه اللّه يقول : سمعت أبا عبد اللّه الرازي يقول : سمعت أبا محمد بن ياسين يقول : سمعت ابن الجلاء يقول : وقد سألته عن الفقير فسكت حتى خلا ) عن الناس ( ثم ذهب ) إلى محله ( ورجع عن قريب ثم قال : كان عندي أربعة دوانيق ) جمع دانق بكسر النون وفتحها وهو سدس درهم ( فاستحييت من اللّه عز وجل أن أتكلم في الفقر ) وأنا غير متصف به ظاهرا ( فذهبت وأخرجته ) أي ما عندي وفي نسخة وأخرجتها أي الدوانيق ، ( ثم قعد وتكلم في الفقر بما يليق به ، وسمعته أيضا يقول :
سمعت عبد اللّه بن محمد الدمشقي يقول : سمعت إبراهيم بن المولد يقول : سألت ابن الجلاء متى يستحق الفقير اسم الفقر ؟ ) أي يسمى فقيرا ( فقال : إذا لم يبق عليه بقية منه ، فقلت : كيف ذلك فقال : إذا كان ) الفقر ( له ) بأن ادعاه له والتفت إليه ( فليس ) هو ( له ) فلم يكمل فقره لأنّ دعواه الفقر التفات منه لنفسه ( وإذا لم يكن له ) بأن لم يدعه لنفسه ( فهو له ) فقد كمل فقره ، وحاصله أنّ الفقير الكامل هو المستغني باللّه عن غيره حتى عن نفسه ، فمن كان عنده بقية التفات كأن التفت لنفسه فضلا عن غيرها في شيء لم يكمل فقره ، وهذه هي البقية التي بقيت عليه في فقره ، فمن التفت
شرح
الغنى بالعرض للبشرية لا يخرجها عن الافتقار الذي هو من صفاتها الذاتية ، وأقول :
خاصية مغناطيس فقر الذات هي الجاذبة للعطايا والهبات ، فمن كان وصف افتقاره أكثر كان نصيبه أجزل وأكبر ، تدبر تفهم وربنا بالحال أعلم .
( قوله : وهو المختار الخ ) أقول : وقد اختار غيره أنّ الغنيّ الشاكر أفضل من الفقير الصابر ، وهو وجيه ، وعند التحقيق كل منهما لازم للآخر .
( قوله : سمعت ابن الجلاء الخ ) تقدمت هذه الحكاية وأعيدت لمناسبة المقام واللّه أعلم . ( قوله : فقال : إذا لم يبق الخ ) محصله التبري من شهود الفقر . ( قوله : فقال : إذا كان الفقر له ) أقول : هذا يدل على أنّ كمال حال الفقير في تبريه من كل شيء فني من أعماله وأحواله فمتى ادعى أنّه حصل له مقام الفقر فقد بقيت عليه من نفسه بقية ، وإذا لم ير لنفسه مقاما ولا حالا ، فقد كمل فقره وانقطاعه إلى اللّه تعالى ، فهو حينئذ الفقير الكامل .