اختيار الجوع لصوم أو كسر شهوة أو رقة قلب ( ومحزون يظهر الفرح ) لأنّ ذلك يدل على كمال صبره ورضاه بما أجراه عليه ربه ( ورجل بينه وبين رجل عداوة فيظهر له المحبة ) بأن يداريه ، فإن لقيه بش في وجهه وإن أتاه أكرمه بدنيا ليندفع عنه ما يخشى وقوعه وما هو فوق العداوة ، ويزول ما في نفس عدوه من الشر ، ولذلك قال علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه :
إني أحيي عدوّي عند رؤيته * لأدفع الشر عني بالتحيات
وأظهر البشر للإنسان أبغضه * كأنه قد ملأ قلبي مسرات
ولست أسلم ممن لست أعرفه * فكيف أسلم من أهل المودّات
( ورجل يصوم ) ب ( النهار ويقوم ) ب ( الليل ولا يظهر ضعفا ) لأنّ ذلك يدل على القوّة وستر الأعمال ، والسلامة من الشهرة بين الناس الحاصلة بإظهار الضعف بانحلال بدن ونعاس ، ونحوهما مما يدل على القيام والصوم .
( وقال بشر بن الحرث : أفضل المقامات اعتقاد ) أي عقد ( الصبر على ) دوام ( الفقر ) أي الافتقار إلى اللّه تعالى والإعراض عن المال والعمل والحال مستمر على ذلك ( إلى القبر ) يعني الموت ( وقال ذو النون المصريّ رحمه اللّه تعالى : علامة سخط اللّه تعالى على العبد خوفه من الفقر ) عما ضمنه اللّه له لأنّه بذلك شاك في الضمان
شرح
إستصف خلك واستخلصه أهون من * تبديل خل فكيف الأمن بالبدل
فأعجز الناس حر ضاع من يده * صديق ودّ ولم يردده بالحيل( قوله : إني أحي عدوي ) من التحية عند رؤيته أي عند لقائه ومقابلته لأدفع الشر عني بالتحيات علة لقوله : أحيي بل قد يكون هذا سببا في تغيير العداوة إلى المحبة بسبب تكرر حسن الملاقاة ، وقوله : وأظهر البشر الخ أي عملا بخبر « إنا لنبش في وجوه قوم وقلوبنا تلعنهم » وقوله : « ولست أسلم » الخ أي ولذا قيل شعرا :إحذر عدوك مرة * واحذر صديقك ألف مرة
فلربما انقلب الصديق * فكان أعلم بالمضرة( قوله : لأنّ ذلك يدل على القوّة ) أي بسبب صدق المعاملة ، وقوّة الإخلاص في العبادة . ( قوله : أفضل المقامات اعتقاد الخ ) أي ولهذا قيل : جواهر معاني الزمان أفضل من أن تضيعها في الهذيان فيا للّه العجب ، فيمن عمره ذهب في جمع الذهب ، وهو بما جمع فقير ليس له في القيامة نصير ، شعر :ومن ينفق الساعات في جمع ماله * مخافة فقر ، فالذي فعل الفقر( قوله : والحال مستمر الخ ) أي لتتم ثمرته وتتحقق فائدته .
( قوله : لأنّه بذلك شك الخ ) أي كالشاك فيه وإلا كان كافرا ، والعياذ باللّه تعالى