الفقر . ( وسئل أبو حفص بماذا يقدم الفقير على ربه عز وجل ؟ فقال : وما للفقير ) شيء يحسن ( أن يقدم به على ربه تعالى سوى فقره ) فالفقر محبوب لأنّ العبد إنما يقدم على ربه بأحب الأعمال إليه وأشرفها عنده ، فهو أحسن ما يقدم العبد به على ربه كيف لا وهو قد استغنى باللّه عن غيره .
( وقيل : أوحى اللّه سبحانه إلى موسى عليه السلام : أتريد أن يكون لك يوم القيامة مثل حسنات الخلق أجمع قال : نعم قال : عد المريض ) بضم العين ( وكن لثياب الفقراء فاليا ) من القمل ونحوه ( فجعل موسى عليه السلام على نفسه في كل شهر سبعة أيام يطوف على الفقراء يفلي ثيابهم ، ويعود المرضى ) في ذلك دلالة على شدة كرامة الفقراء على اللّه ، وشرف منزلتهم عنده ، وكمال رحمته بهم حيث أمر أنبياءه وأحبابه بأن يكرموهم ، ( وقال سهل بن عبد اللّه : خمسة أشياء من جوهر النفس ) من كانت نفسه شريفة اجتمع بها الخمسة ، أو بعضها بحسب شرفية نفسه ونزاهتها وهي ( فقير يظهر الغنى ) لأن ذلك يدل على تنزهه عن الخلق ، وقوة صبره وزهده ، وتوكله إلى أن يأتيه الفتح من ربه ( وجائع يظهر الشبع ) لأنّ ذلك يدل على
شرح
( قوله : فقال : وما للفقير شيء الخ ) أقول : فاسمع يا فقيه النقل ، ويا معقول العقل ، فقد ستر عنك نور الكشف حجاب آنيتك العقلية ، والذوق قد غير طعمه عندك مرارة العلوم النقلية ، فاللّه سبحانه يوفقنا للصواب ، ويرزقنا حسن المآب ، بجاه حبيب الأحباب صلى اللّه عليه وسلم . ( قوله : في ذلك دلالة على شدة كرامة الفقراء الخ ) أي ولذلك قيل : من استكبر بوصف الغني على الفقير فقد استوجب حكم العكس من القدير ، شعر :ألم تر بيت الفقر يرجى له الغنى * وبيت الغنى يخشى عليه من الفقرفمن افتخر على الفقراء بمال خزانته أو تباهى عليهم بجمال فخارته أذله اللّه وانكسر وعاه قبيحا وافتقر :لا تفخرن بما أوتيت من نعم * على سواك وخف من كسر جبار
فأنت في الأصل بالفخار مشتبه * ما أسرع الكسر في الدنيا الفخار( قوله : خمسة أشياء من جوهر النفس ) أي من إمارات جوهريتها وخلوصها من صدقة الجاهلات ، وظلمة الرعونات . ( قوله : فقير يظهر الغنى ) أي عملا بقوله جل شأنهيَحْسَبُهُمُ الْجاهِلُ أَغْنِياءَ مِنَ التَّعَفُّفِ[ البقرة : 273 ] . ( قوله : بأن يداريه ) أي والمداراة ترك بعض الدنيا أو كلها لإصلاح الدين وهي مندوبة ، ومن أمارات كمال الإنسانية وزيادة العقل مع أنّها قد تكون سببا لتغيير العداوة محبة بحسن المعاملة على أنّ العداوة قد تطرأ على بعض الأصدقاء وترك الصديق وهجره ليس بالهين ، قال الشاعر :